فقم فتيقظْ ساعةً بعد ساعةٍ ... عساكَ توفَّى ما بقيَ من مهورِها
كان بعضُ السلفِ الصالحينَ كثيرُ التعبدِ ، فبكى شوقًا إلى اللهِ عز وجل
ستينَ سنةً فرأى في منامهِ كأنّهُ على ضفةِ نهر يجرِي بالمسكِ حافتاهُ شجرُ لؤلؤ
ونبتٌ من قضبانِ الذهبِ ، فإذا بجوارٍ مُزَيَّناتٍ يقلنَ بصوتٍ واحد: سبحانَ
المسبَّح بكل لسانٍ سبحانَهُ. سبحان الموحَّدِ بكل مكانٍ سبحانه. سبحان الدائم في كلِّ الأزمانِ سبحانه. فقال لهنَّ: ما تصنعن ههنا ؟
فقلن:
برانَا إلهُ الناسِ ربّ محمدٍ ... لقومٍ على الأقدامِ بالليلِ قوَّمُ
يناجونَ ربَّ العالمينَ إلههم ... وتسري همومُ القومِ والناسُ نوَّمُ
فقال: بَخ بَخ لهؤلاءِ ، من هم ، لقد أقر اللَّهُ أعينهُم بكنَّ ؟
فقلنَ: أو ما - تعرفَهم ؟
قالَ: لا ، فقلنَ: بلى هؤلاءِ المتهجدونَ أصحابُ القرآنِ والسهرِ.
وكان بعضُ الصالحينَ ربما نامَ في تهجدهِ ، فتوقظُه الحوراءُ في منامِهِ
فيستيقظُ بإيقاظها.
وُرويَ عن أبي سليمان الداراني أنه قالَ: ذهبَ بي النومُ
ذاتَ ليلةٍ في صلاتي فإذا بها - يعني الحوراء - تنبهني وتقولُ: يا أبا سليمانَ
أترقدُ وأنا أُربَّى لك في الخدرِ منذ خمسمائة سنة.
وفي رواية عنهُ: أنه نام ليلةً في سجودهِ قالَ: فإذا بها قدْ ركضتني بِرِجْلِهَا وقالتْ: حبيبي أترقدُ عيناكَ والملكُ يقظانُ ينظرُ إلى المتهجدينَ في تهجدِهم ؟ بؤسًا لعينٍ آثرت لذةَ نومٍ على مناجاةِ العزيزِ ، قمْ فقدْ دنا الفراغُ ولقيَ المحبونَ بعضهم بعضًا ، فما هذا الرقادُ يا حبيبي وقرةَ عيني ؟
أترقدُ عيناكَ وأنا أُربَّى لكَ في الخدورِ منذ خمسمائةِ عامٍ ؟
فوثبَ فزعًا وقد عرقَ من توبيخهَا له ، قالَ:
وإن حلاوةَ منطقها لفي سمعي وقلبي.
وكان أبو سليمانَ يقولُ: أهلُ الليلِ في ليلهِم ألذ من أهل اللهو في
لهوهم ، ولولا الليلُ ما أحببتُ البقاءَ في الدنيا.