وقال سعيدُ بنُ المسيبِ: من جلسَ في المسجدِ فإنَّما يجالسُ اللَّه عز
وجلَ.
وصحَّ عن النبيّ - صلى الله عليه وسلم - أنه عدَّ من السبعةِ الذينَ يظلُّهُمُ اللَّه في ظلَّه يومَ لا ظلَّ إلا ظلُّه رجلٌ قلبُهُ معلَّق بالمسجدِ إذا خرجَ منه حتى يعودَ إليه.
وإنَّما كانتْ ملازمةُ المسجدِ للطاعاتِ مكفرةً للذنوبِ ؛ لأنَّ فيها مجاهدةَ
النفسِ وكفًّا لها عن أهوائِها ؛ فإنها لا تميلُ إلا إلى الانتشار في الأرضِ لابتغِاء
الكسب ؛ أو لمجالسةِ الناس ، أو لمحادثتهم ، أو للتنزه في الدور الأنيقةِ
والمساكنِ الحسنةِ ومواطنِ النزهِ ، ونحو ذلكَ.
فمن حبسَ نفسَهُ في المساجدِ على الطاعةِ فهوَ مرابطٌ لها في سبيلِ اللَّه مخالِفٌ لهواهَا ، وذلكَ من أفضلِ أنواع الصبرِ والجهادِ.
وهذا الجنسُ - أعني ما يؤلمُ النفسَ ويخالفُ هواهَا - فيه كفارةٌ للذنوبِ
وإنْ كانَ لا صنعَ فيه للعبدِ كالمرضِ ونحوِه فكيفَ بما كانَ حاصِلاً عن فعلِ
العبدِ واختياره إذا قصدَ به التقربَ إلي اللَّه عزَّ وجل ، فإنَّ هذا من نوع الجهادِ في سبيلِ اللَّه الذي يقتضِي تكفيرَ الذنوبِ كلها ولهذا المعنى كانَ المشيُ إلى
المساجدِ كفارةً للذنوبِ أيضًا هو نوعٌ منَ الجهادِ في سبيلِ اللَّه أيضًا ، كما
خرَّجَهُ الطبرانيّ من حديثِ أبي أمامةَ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -
"الغدو والرواح إلي المساجد من الجهادِ في سبيلِ اللهِ عزَّ وجل".
كان زياد مولَى ابن عباس أحد العبادِ الصالحينَ ، وكانَ يلازمُ مسجدَ المدينةِ
فسمعوهُ يومًا يعاتب نفسَهُ ويقولُ لها: أين تريدينَ أنْ تذهِبي ، إلي أحسنَ من
هذا المسجدِ ؛ تريدينَ أن تبصرِي دارَ فلانِ ودار فلانِ.
لما كانت المساجد في الأرضِ بيوتَ الله أضافَها اللَهُ إلى نفسِه تشريفًا لها
وتعلقتْ قلوبُ المحبينَ للَّهِ عز وجلَّ بها لنسبتها إلي محبوبِهِم ، وارتاحتْ إلى