لقلوبِ العارفينَ وقربِهِ شرعَ قبلَ الدخولِ فيها الطهارةُ ، فإنَّه لا يصلحُ للوقوفِ بين يدي اللَّه عز وجل والخلوةِ بمناجاتِهِ إلا طاهرٌ ، فأمَّا المتلوثُ بالأوساخ الظاهرةِ والباطنةِ فلا يصلحُ للقربِ ، فشرعَ اللَّهُ عز وجل للمصلِّي غسلَ أعضائِهِ بالماءِ ورتبَ عليها طهارةً ظاهرةً وباطنةً ، ثمَّ شرعَ المشي إلى المساجدِ.
وفيه أيضًا تكفيرُ الخطايا حتَّى تكملَ طهارةُ الذنوبِ إن بقي منها شيءٌ بعد
الوضوءِ حتَّى لا يقفَ العبدُ في مقامِ المناجاةِ إلا بعدَ كمالِ طهارةٍ ظاهرةٍ
وباطنة من درنِ الأوساخ والذنوبِ ، ولهذا شَرعَ لهُ تجديدَ التوبة والاستغفارَ
عقب وضوءٍ حتَّى تكملَ طهارةُ ذنوبهِ ، كما خرَّج النسائيُّ من حديثِ
أبي سعيدٍ مرفوعًا وموقوفًا:
"من توضَّا فأسبغَ الوضوءَ ثمَّ قالَ عندَ فراغِه من وضوئه: سبحانكَ اللهمَّ وبحمدكَ أستغفرُكَ وأتوبُ إليكُ ، ختمَ عليها بخاتمٍ فوضعتْ"
تحتَ العرشِ فلم تُكسرْ إلى يوم القيامةِ"."
ومتى اجتهدَ العبدُ على تكميلِ طهارتهِ ومشيهِ إلى المسجدِ ولم يقوَ ذلكَ
على تكفير ذنوبهِ ، فإنَّ الصلاةَ يكملُ بها التكفيرُ ، كما في"الصحيحينِ"
عن أبي هريرةَ عن النبيّ - صلى الله عليه وسلم - قالَ:
"أرأيتُم لو أنَّ نهرًا ببابِ أحدكُم يغتسلُ فيه كلَّ يومٍ خمسَ مراتٍ ، هل يبقى من درنهِ شيء ؟"
قالوا: لايبقى من درنهِ شيءٌ ، قال:
"فذلكَ مثلُ الصلواتِ الخمس يمحو اللَّهُ بهنَّ الخطايا".
وإنْ قويَ الوضوءُ وحدهُ على تكفيرِ الخطايا ، فالمشيُ إلى المسجدِ والصلاةُ
بعده تكونُ زيادةُ حسناتٍ وهذا هو المرادُ من قولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في حديث عثمانَ والصنابحي"وكان مشيهُ إلى المسجدِ وصلاتُه نافلةً"، وقد سبقَ ذكرُ الحديثين.
واعلم أنَّ جمهورَ العلماءِ على أنَّ هذهِ الأسبابَ كلَّها إنما تكفَر الصغائرَ