فإن كانت هذه اللفظة عارية عن الجمع أو الإضافة فإنها لا تأتي حسنة، ولا تجد دليلًا على ذلك إلا مجرد الذوق الصحيح.
وإذا تأمَّلت القرآن الكريم ودقَّقت النظر في رموزه وأسراره وجدت مثل هذه اللفظة قد روعي فيها الجمع دون الإفراد, كلفظة"كوب"، فإنها وردت في القرآن مجموعة، ولم ترد مفردة، وهي وإن لم تكن مستَقْبَحة في حال إفرادها, فإنَّ الجمع فيها أحسن.
{هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسَابِ (53) إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ (54) هَذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ (55) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمِهَادُ (56) }
ومن الفصل الذي هو أحسن من الوصل لفظه هذا, وهي علاقة وكيدة بين الخروج من كلام إلى كلام آخر غيره، كقوله تعالى: {وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ، إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ، وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ، وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيَارِ، هَذَا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ، جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ} . ألا ترى إلى ما ذكر قبل"هذا"؟ ذكر من ذكر من الأنبياء عليهم السلام، وأراد أن يذكر على عقبه بابا آخر غيره، وهو ذكر الجنة وأهلها، فقال: {هَذَا ذِكْرٌ} ثم قال: {وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ} ثم لما أتم ذكر أهل الجنة وأراد
أن يعقبه بذكر أهل النار قال: {هَذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ} وذلك من فصل الخطاب الذي هو ألطف موقعا من التخلص. انتهى انتهى {المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر، لابن الأثير} ...