فهذا الكلام إذا تأمله المتأمل لم يجده متصل المعنى، ولم يتبين له مجيء ذكر داود عليه السلام ردفا لقوله تعالى: {اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ} ، وإذا أراد أن يقدر ههنا محذوفا يوصل به المعنى عسر عليه، وتقديره يحتمل وجهين: أحدهما: أنه قال: {اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ} ، وخوفهم أمر معصية الله، وعظمها في عيونهم بذكر قصة داود الذي كان نبيا من الأنبياء، وقد آتاه الله ما آتاه من النبوة والملك العظيم، ثم لما زل زلة قوبل بكذا وكذا [1] ، فما الظن بكم أنتم مع كفركم؟
الوجه الآخر: أنه قال: {اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ} ، واحفظ نفسك أن تزل في شيء مما كلفته من مصابرتهم، واحتمال أذاهم واذكر أخاك داود، وكرامته على الله كيف زل تلك الزلة، فلقي من توبيخ الله ما لقي!!
فهذا الكلام كما تراه يحتاج إلى تقدير حتى يتصل بعضه ببعض، وهو من أغمض ما يأتي من المحذوفات، وبه تنبيه على مواضع أخرى غامضة.
{كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (29) }
ومن هذا النوع ألفاظٌ يُعْدَل عن استعمالها من غير دليل يقوم على العدول عنها، ولا يُسْتَفْتَى في ذلك إلّا الذوق السليم، وهذا موضع عجيب لا يُعْلَمُ كُنْه سِرِّه.
فمن لفظ"الَّلبّ"الذي هو العقل، - لا لفظة"الُّلبّ"الذي تحت القشر - فإنها لا تحسن في الاستعمال إلا مجموعة، وكذلك وردت في القرآن الكريم في مواضع كثيرة وهي مجموعة، ولم ترد مفردة، كقوله تعالى: {وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ} و {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ} وأشباه ذلك.
وهذه اللفظة الثلاثية خفيفة على النطق، ومخارجها بعيدة، وليست بمستثقلة ولا مكروهة.
وقد تستعمل مفرَدة بشرط أن تكون مضافة أو مضافًا إليها؛ أما كونها مضافًا إليها, فكقولنا: لا يعلم ذلك إلّا ذو لب، وإن في ذلك لعبرة لذي لبّ، وعليه ورد قول جرير:
إن العيون التي في طرفها حورٌ ... قتلننا ثم لم يحينا قتلانا
يصرعن ذا اللب حتى لا حراك به ... وهنّ أضعف خلق الله أركانا
وأما كونها مضافة فكقول النبي - صلى الله عليه وسلم - في ذكر النساء:"ما رأيت ناقصات عقلٍ ودينٍ أذهب للبِّ الحازم من إحداكن يا معشر النساء".
[1] وجه فاسد لا يعول عليه، وما ذكر من زلة داود - عليه السلام - لا يصح ولا يثبت. والله أعلم.