والقول عند قوله: {لا مَرْحَباً بِهِمْ:} مضمر. (مرحبا) : اسم من الرّحب استعمله العرب في الخير والشّرّ، فكلّ من رضيت بمكانه قالت: مرحبا به، على سبيل الدّعاء له، وكلّ من لم ترض بمكانه قالت: لا مرحبا به، على سبيل الدّعاء عليه.
63 -وحسن دخول الاستفهام وكونه مرادا {أَتَّخَذْناهُمْ سِخْرِيًّا} إنّما هو لكونهم غير متّخذين إيّاهم سخريا لو كانوا أشرارا على الحقيقة داخلين معهم النّار؛ لأنّ الاتخاذ يدلّ على صرف الشّيء عن حقيقته في الغالب، فكأنّهم قالوا: أسأنا الظنّ بهم والقول فيهم:
أتخذناهم سخريا أم صدقناهم فهم معنا في النّار قد زاغت عنهم الأبصار.
64 - {تَخاصُمُ:} رفع بتقدير ضمير، أي: هو تخاصم.
عن معاذ بن جبل قال: احتبس عنّا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ذات غداة عن صلاة الصّبح حتى كدنا نتراءى عين الشّمس، فخرج سريعا، فثوّب بالصّلاة، فصلّى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وتجوّز في
صلاته، فلمّا سلّم دعا بصوته، فقال لنا: «على مصافّكم كما أنتم» ، ثمّ انفتل إلينا فقال:
«أما إنّي سأحدّثكم ما حبسني عنكم الغداة: إنّي قمت من اللّيل فتوضّأت وصلّيت ما قدّر لي فنعست في صلاتي حتى استثقلت، (286 و) فإذا أنا بربي تبارك وتعالى في أحسن صورة، فقال: يا محمد، قلت: لبيك يا ربّ، قال: فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: لا أدري، قالها ثلاثا، قال: فرأيته وضع كفّه بين كتفيّ حتى وجدت برد أنامله بين ثدييّ، فتجلّى كلّ شيء وعرفت يده، فقال: يا محمد، قلت: لبيك يا رب، قال: فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: في الكفّارات، يا ربّ، قال: ما هو؟ قلت: مشي الأقدام إلى الجماعات، والجلوس في المساجد بعد الصّلوات، وإسباع الوضوء حين الكريهات، قال: ثمّ فيم؟ قال: قلت: إطعام الطّعام، ولين الكلام، والصّلاة والنّاس نيام، قال: سل، قلت: اللهم إنّي أسألك فعل الخيرات، وترك المنكرات، وحبّ المساكين، وأن تغفر لي وترحمني، وإذا أردت فتنة في قومي فتوفّني غير مفتون، وأسألك حبّك وحبّ من يحبّك، وحبّ عمل يقرّب إلى حبّك، فقال: رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: إنّها حقّ فادرسوها، ثمّ تعلّموها» . قال: تعالى الله عن التّصوّر والتقدر والتّحيّز إلى الجهات والحلول في الصّور، ولكنه عز وجل يحلّ روح خطابه محلا محسوسا كإحالة القرآن في المصاحف، والتوراة في الألواح، ثمّ يظهر على المحسوس من آياته ما يفيد علما ضروريا.