وروي أن أهل مكة دعوه إلى أن يرجع إلى دينهم ، ويعطوه شطر أموالهم ، ويزوجه شيبة بن ربيعة بنته ؛ وخوفه منافقو المدينة أنهم يقتلونه إن لم يرجع ، فنزلت.
ومناسبة أول هذه السورة لآخر ما قبلها واضحة ، وهو أنه حكى أنهم يستعجلون الفتح ، وهو الفصل بينهم ، وأخبر تعالى أنه يوم الفتح لا ينفعهم إيمانهم ، فأمره في أول هذه السورة بتقوى الله ، ونهاه عن طاعة الكفار والمنافقين فيما أرادوا به.
{إن الله كان عليماً حكيماً} : عليماً بالصواب من الخطأ ، والمصلحة من المفسدة ؛ حكيماً لا يضع الأشياء إلا مواضعها منوطة بالحكمة ؛ أو عليماً حيث أمر بتقواه ، وأنها تكون عن صميم القلب ، حكيماً حيث نهى عن طاعة الكفار والمنافقين.
وقيل: هي تسلية للرسول ، أي عليماً بمن يتقي ، حكيماً في هدي من شاء وإضلال من شاء.
ثم أمره باتباع ما أوحي إليه ، وهو القرآن ، والاقتصار عليه ، وترك مراسيم الجاهلية.
وقرأ أبو عمرو: بما يعملون ، الأولى والثانية بياء الغيبة ؛ وباقي السبعة: بتاء الخطاب ، فجاز في الأولى أن يكون من باب الالتفات ، وجاز أن يكون مناسبة لقوله: {واتبع} ، ثم أمره بتفويض أمره إلى الله.
وتقدم الكلام في {كفى بالله} في أول ما وقع في القرآن.
روي أنه كان في بني فهر رجل فيهم يقال له: أبو معمر جميل بن أسد ، وقيل: حميد بن معمر بن حبيب بن وهب بن حارثة بن جمح ، وفيه يقول الشاعر:
وكيف ثوائي بالمدينة بعدما ...
قضى وطراً منها جميل بن معمر
يدعي أن له قلبين ، ويقال له: ذو القلبين ، وكان يقول: أنا أذكى من محمد وأفهم ؛ فلما بلغته هزيمة بدر طاش لبه وحدث أبا سفيان بن حرب بحديث كالمختل ، فنزلت.
وقال الحسن: هم جماعة ، يقول الواحد منهم: نفس تأمرني ونفس تنهاني.
وقيل: إن بعض المنافقين قال إن محمداً له قلبان ، لأنه ربما كان في شيء ، فنزع في غيره نزعة ثم عاد إلى شأنه ، فنفى الله ذلك عنه وعن كل أحد.