ومن ثم لا يجيب المسؤولون عن السؤال ، فليس المقصود به هو الجواب! إنما يحاولون أن يتبرأوا من جريرة إغوائهم لمن وراءهم ، وصدهم عن هدى الله ، كما كان يفعل كبراء قريش مع الناس خلفهم ، فيقولون:
{ربنا هؤلاء الذين أغوينا أغويناهم كما غوينا ؛ تبرأنا إليك ما كانوا إيانا يعبدون} !
ربنا إننا لم نغوهم قسراً ، فما كان لنا من سلطان على قلوبهم ؛ إنما هم وقعوا في الغواية عن رضى منهم واخيتار ، كما وقعنا نحن في الغواية دون إجبار.
{تبرأنا إليك} من جريمة إغوائهم. {ما كانوا إيانا يعبدون} إنما كانوا يعبدون أصناماً وأوثاناً وخلقاً من خلقك ، ولم نجعل أنفسنا لهم آلهة ، ولم يتوجهوا إلينا نحن بالعبادة!
عندئذ يعود بهم إلى المخزاة التي حولوا الحديث عنها. مخزاة الشركاء الذين اتخذوهم من دون الله:
{وقيل: ادعوا شركاءكم} ..
ادعوهم ولا تهربوا من سيرتهم! ادعوهم ليلبوكم وينقذوكم! ادعوهم فهذا يومهم وهذه فائدتهم! والبائسون يعرفون أن لا جدوى من دعائهم ، ولكنهم يطيعون الأمر مقهورين:
{فدعوهم فلم يستجيبوا لهم} ...
ولم يكن منتظراً غير ذاك ، ولكنه الإذلال والإعنات!
{ورأوا العذاب} ..
رأوه في هذا الحوار. ورأوه ماثلاً وراءه. فليس وراء هذا الموقف إلا العذاب.
وهنا في اللحظة التي يصل فيها المشهد إلى ذروته يعرض عليهم الهدى الذي يرفضونه ، وهو أمنية المتمني في ذلك الموقف المكروب: وهو بين أيديهم في الدنيا لو أنهم إليه يسارعون:
{لو أنهم كانوا يهتدون} ..
ثم يعود بهم إلى ذلك المشهد المكروب:
{ويوم يناديهم فيقول ، ماذا أجبتم المرسلين؟} ..
وإن الله ليعلم ماذا أجابوا المرسلين. ولكنه كذلك سؤال التأنيب والترذيل. وإنهم ليواجهون السؤال بالذهول والصمت. ذهول المكروب وصمت الذي لا يجد ما يقول:
{فعميت عليهم الأنباء يومئذ فهم لا يتساءلون} .