وقوله: (رَبَّنَا هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَا أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا) : يقولون: (أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا) يعتذرون: أنه لم يكن منا إليهم إلا الدعاء والإشارة إلى الغواية؛ وهو كقول إبليس اللعين وخطبته يومئذ حيث قال: (وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ...) الآية؛ فعلى ذلك هَؤُلَاءِ يقولون لم يكن منا إليهم سوى الدعاء بلا برهان ولا حجة فاتبعونا؛ فلا تلومونا ولوموا أنفسكم؛ حيث تركتم إجابة الرسل ومعهم براهين وحجج، وأجبتمونا بلا حجة ولا برهان، فأغويناكم كما غوينا، ولو كنا على الهدى لهديناكم، كقولهم: (لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ) .
وقوله: (تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ) : إنما يتبرءون أنا لم نأمرهم بالعبادة لنا، وإلا كانوا عبدوهم.
ثم إن للمعتزلة أدنى تعلق بهذه الآية؛ لأنهم يقولون: إنما أضافوا الغواية إلى أنفسهم حيث قالوا: (أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا) ؛ دل أن اللَّه لا يغوي أحدا.
فيقال لهم: إنا لا نضيف ولا نجيز إضافهَ الغواية إلى اللَّه فيما يخرج مخرج الذم له، وإنما نضيف فيما يخرج مخرج المدح له والثناء عليه، ثم قد أضاف إبليس الغواية إليه، ولم ينكر عليه حيث قال: (رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي) ، في غير موضع وقال: (يُضِلُّ مَن يشَآءُ) ، ونحوه كثير في القرآن، فما خرج مخرج أن مدح له والثناء عليه يضاف إليه، وما خرج مخرج الذم له فلا، وقد ذكرنا هذا في غير موضع، واللَّه أعلم.