(والمعنى: أفلم يسيروا فيعقلوا بقلوبهم ما نزل بمن كذب قبلهم. والتأويل: فتكون لهم قلوبٌ عاقلة عالمة؛ لأن قوله) {يَعْقِلُونَ بِهَا} صفة للنكرة، وقبل أن يسيروا لهم قلوب ولكن غير عاقلة، فإذا ساروا واعتبروا كانت لهم قلوب عاقلة وعلى هذا النحو قوله {أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا} .
قال ابن عباس: يريد من يسمع فلم يجب فلم يسمع.
يعني أنهم غير سامعين إذا صمُّوا عن دعائك، أفلا يسيرون فيسمعوا أخبار الأمم المكذبة فيعتبروا.
قال ابن قتيبة - في هذه الآية والتي قبلها -: وهل شيء أبلغ في العظة والعبرة من هذه الآية؟ لأن الله تعالى أراد: أفلم يسيروا في الأرض، فينظروا إلى آثار قوم أهلكهم الله بالعتو، وأبادهم بالمعصية، فيروا من تلك الآثار بيوتًا خاوية قد سقطت على عروشها، وبئرًا لشُرب أهلها قد عُطّلت، وقصرًا بناه ملكها بالشيد قد خلا من السكن وتداعى بالخراب؛ فيتعظوا بذلك، ويخافوا من عقوبة الله وبأسه، مثل الذي نزل بهم. ونحو هذا قوله {فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ} [الأحقاف: 25] . انتهى كلامه.
ثم ذكر الله تعالى أنَّ أبصارهم الظاهرة لم تعم عن النظر، وإنما عميت أبصار قلوبهم فقال: {فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ} .
قال الفراء: الهاء هاء عماد يوفى بها"إنَّ"ويجوز مكانها"إنَّه"، وكذلك هي في قراءة عبد الله.
وقال غيره: هي إضمار على شريطة التفسير. والمعنى: فإنَّ الأبْصار لا تعمى. ويجوز أن تكون الهاء لإضمار القصة. وذكرنا هذه الأقوال مشروحة في تفسير قوله {فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا} [الأنبياء: 97] .