فإطلاق التسمية على النبي والذين آمنوا به في أول عهد الإسلام، ثم سلك الصابئين في آيتي البقرة والمائدة في سلك الموحدين يزيد في قوة الاستدلال على أن الكلمة القرآنية عنت الموحدين بشكل ما والمنحرفين عن دين الآباء وتقاليدهم الشركية. وورودها في القرآن دليل على أنها من تعابير ما قبل البعثة وأنها كانت تطلق على جماعة ما في بيئة النبي متصفين بهذه الصفة، وأن منهم من ظلّ على ما كان عليه ولم يتّبع النبي صلّى الله عليه وسلّم.
ولقد ورد في كتب السيرة والتفسير ذكر أفراد من عرب الحجاز كانوا ألمّوا بالكتب السماوية، واستنارت عقولهم فأنفوا أن يظلوا يعبدون ما يعبد آباؤهم ويشركون مع الله آلهة أخرى ففارقوا ذلك واستقروا على عقيدة التوحيد ومنهم من اعتزم التطويف في الأرض للبحث عن ملّة إبراهيم ومنهم من أخذ يتعبّد على ملّة إبراهيم أو ما ظنّه كذلك ومنهم من تنصّر ومنهم من كان في مكة ومنهم من كان في يثرب. وممن ذكرتهم الروايات زيد بن عمرو بن نفيل وورقة بن نوفل وعثمان بن الحويرث وعبد الله بن جحش وأمية بن الصلت وأبو قيس البخاري اليثربي وأبو الهيثم بن التيهان اليثربي وأبو عامر الأوسي وسلمان الفارسي وأبو ذرّ الغفاري. ومنهم من آمن بالنبي صلّى الله عليه وسلّم مثل سلمان وأبو ذرّ وعبد الله بن جحش.
ومنهم من مات قبل بعثته مثل زيد بن عمرو وعثمان بن الحويرث ومنهم من مات في أوائل بعثته مثل ورقة بن نوفل، الذي أدرك أوائل البعثة وقال للنبي صلّى الله عليه وسلّم لأن أدركني أمرك لأنصرنك نصرا مؤزرا. ومنهم من كفر بنبوة النبي وناوأه مناوأة شديدة حسدا وعنادا مثل أمية بن الصلت وأبي عامر الأوسي المعروف بالراهب.
ومما روي أن النبي صلّى الله عليه وسلّم التقى بزيد بن عمرو وقال عنه: إنه يبعث أمة وحده، وإنه كان يناجي ربه فيقول:(لبيك حقا حقا تعبّدا ورقّا. عذت بما عاذ به إبراهيم.
إنني لك عان راغم. مهما تجشمني فإني جاشم)، وهو أبو سعيد بن زيد أحد العشرة المبشرين بالجنة، الذي كان من السابقين الأولين إلى الإسلام وأسلمت معه زوجته فاطمة بنت الخطاب أخت عمر رضي الله عنهم.