إذن: فأهل الكشف والعارفون بالله يدركون هذا التسبيح ، ويعترفون به ، وعلى قدر ما لديك من معرفة بالله ، وما لديك من فَهْم وإدراك يكون تلقِّيك وتقبُّلك لمثل هذه الأمور الإيمانية .
والحق - سبحانه وتعالى - حين قال: أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السماوات وَمَن فِي الأرض .
كلمة: {وَكَثِيرٌ مِّنَ الناس وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ العذاب . .} [الحج: 18] تُبيّن أن لنا قهريةً وتسخيراً وسجوداً كباقي أجناس الكون ، ولنا أيضاً نطقة اختيار . فالكافر الذي يتعوَّد التمرُّد على خالقه: يأمره بالإيمان فيكفر ، ويأمره بالطاعة فيعصي ، فلماذا لا يتمرد على طول الخط؟ لماذا لا يرفض المرض إنْ أمرضه الله؟ ولماذا لا يرفض الموت إنْ حَلَّ به؟
إذن: الإنسان مُؤتمِر بأمر الله مثل الشجر والحجر والحيوان ، ومنطقة الاختيار هي التي نشأ عنها هذا الانقسام: كثير آمن ، وكثير حَقَّ عليه العذاب .
لكن ، لماذا لم يجعل الله - سبحانه وتعالى - الخَلْق جميعاً مُسخَّرين؟
قالوا: لأن صفة التسخير وعدم الخروج عن مرادات الله تثبت لله تعالى صفة القدرة على الكل ، إنما لا تُثبت لله المحبوبية ، المحبوبية لا تكون إلا مع الاختيار: أن تكون حُرَّا مختاراً في أنْ تُؤمنَ أو تكفر فتختار الإيمان ، وأنْ تكون حُراً وقادراً على المعصية ، لكنك تطيع .
وضربنا لذلك مثلاً - ولله المثل الأعلى -: هَبْ أن عندك عبدين ، تربط أحدهما إليك في سلسلة مثلاً ، وتترك الآخر حُراً ، فإن ناديتَ عليهما أجاباك ، فأيهما يكون أطْوعَ لك: المقهور المجبر ، أم الحر الطليق؟ .