فالواجب علينا أن نتقرب إليه بتوسطات الروحانيات القريبة منه. وهم الروحانيون المقربون المقدسون عن المواد الجسمانية، وعن القوى الجسدانية، بل قد جبلوا على الطهارة، فنحن نتقرب إليهم، ونتقرب بهم إليه، فهم أربابنا وآلهتنا وشفعاؤنا عند رب الأرباب وإله الآلهة. فما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى.
فالواجب علينا أن نطهر نفوسنا عن الشهوات الطبيعية، ونهذب أخلاقنا عن علائق القوى، الغضبية حتى تحصل المناسبة بيننا وبين الروحانيات، وتتصل أرواحنا بهم، فحينئذ نسأل حاجتنا منهم، ونعرض أحوالنا عليهم، ونصبوا في جميع أمورنا إليهم، فيشفعون لنا إلى إلهنا وإلههم.
وهذا التطهير والتهذيب لا يحصل إلا باستمداد من جهة الروحانيات. وذلك بالتضرع والابتهال بالدعوات: من الصلوات. والزكوات، وذبح القرابين، والبخورات، والعزائم، فحينئذ يحصل لنفوسنا استعداد واستمداد من غير واسطة الرسل، بل نأخذ من المعدن الذي أخذت منه الرسل. فيكون حكمنا وحكمهم واحدا: ونحن وإياهم بمنزلة واحدة.
قالوا: والأنبياء أمثالنا في النوع وشركاؤنا في المادة، وأشكالنا في الصورة، يأكلون مما نأكل ويشربون مما نشرب، وما هم إلا بشر مثلنا يريدون أن يتفضلوا علينا.
وزادت الاتحادية أتباع ابن عربي، وابن سبعين والعفيف التلمساني، وأضرابهم على هؤلاء بما قاله شيخ الطائفة محمد بن عربي: أن الولي أعلى درجة من الرسول، لأنه يأخذ من المعدن الذي يأخذ منه الملك الذي يوحي إلى الرسول فهو أعلى منه بدرجتين.
فجعل هؤلاء الملاحدة أنفسهم وشيوخهم أعلى في التلقى من الرسل بدرجتين، وإخوانهم من المشركين جعلوا أنفسهم في ذلك التلقى بمنزلة الأنبياء، ولم يدّعوا أنهم فوقهم.
والمقصود: أن هؤلاء كفروا بالأصلين اللذين جاءت بهما جميع الرسل والأنبياء، من أولهم إلى آخرهم.
أحدهما: عبادة الله وحده لا شريك له. والكفر بما يعبد من دونه من إله.
والثاني: الإيمان برسله، وما جاءوا به من عند الله، تصديقا وإقراراً، وانقيادا، وامتثالا.
وليس هذا مختصا بمشركي الصابئة، كما غلط فيه كثير من أرباب المقالات، بل هذا مذهب المشركين من سائر الأمم. لكن شرك الصابئة كان من جهة الكواكب والعلويات ولذلك ناظرهم إمام الحنفاء صلوات الله، وسلامه عليه في بطلان إلهيتها بما حكاه الله سبحانه في سورة الأنعام [74 - 83] أحسن مناظرة وأبينها، ظهرت فيها حجته ودحضت حجتهم.