فقال بعد أن بين بطلان إلهية الكواكب، والقمر، والشمس بأفولها، وأن الإله لا يليق به أن يغيب ويأفل، بل لا يكون إلا شاهدا غير غائب، كما لا يكون إلا غالبا قاهرا، غير مغلوب ولا مقهور. نافعا لعبادة، يملك لعابده الضر والنفع، فيسمع كلامه، ويرى مكانه، ويهديه، ويرشده، ويدفع عنه كل ما يضره ويؤذيه. وذلك ليس إلا لله وحده. فكل معبود سواه باطل.
فلما رأى إمام الحنفاء أن الشمس والقمر والكواكب ليست بهذه المثابة صعد منها إلى فاطرها وخالقها ومبدعها فقال:
{إنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِي لِلّذِي فَطَرَ السَّموَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفاً} [الأنعام: 79] .
وفي ذلك إشارة إلى أنه سبحانه خالق أمكنتها ومحالها التي هي مفترة إليها، ولا قوام لها إلا بها، فهي محتاجة إلى محل تقوم به، وفاطر يخلقها ويدبرها ويربُّها. والمحتاج المخلوق المربوب المدَّبر لا يكون إلها. فحاجَّه قومه في الله، ومن حاجّ في عبادة الله فحجته داحضة.
فقال إبراهيم عليه السلام: {أَتُحَاجُّونِي فِي اللهِ وَقَدْ هَدَانِ} [الأنعام: 80] .
[مَسْأَلَةُ: قَوْلُ السَّائِلِ: قَدِ اشْتُهِرَ عِنْدَكُمْ بِأَنَّ أَهْلَ الْكِتَابَيْنِ مَا مَنَعَهُمْ مِنَ الدُّخُولِ فِي الْإِسْلَامِ إِلَّا الرِّئَاسَةُ وَالْمَأْكَلَةُ لَا غَيْرَ، فَكَلَامُ جَاهِلٍ بِمَا عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ وَبِمَا عِنْدَ الْكُفَّارِ]
أَمَّا الْمُسْلِمُونَ فَلَمْ يَقُولُوا: إِنَّهُ لَمْ يَمْنَعْ أَهْلَ الْكِتَابِ مِنَ الدُّخُولِ فِي الْإِسْلَامِ إِلَّا الرِّئَاسَةُ وَالْمَأْكَلَةُ لَا غَيْرَ، وَإِنْ قَالَ هَذَا بَعْضُ عَوَامِّهِمْ فَلَا يَلْزَمُ جَمَاعَتَهُمْ، وَالْمُمْتَنِعُونَ مِنَ الدُّخُولِ فِي الْإِسْلَامِ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابَيْنِ وَغَيْرِهِمْ جُزْءٌ يَسِيرٌ جِدًّا بِالْإِضَافَةِ إِلَى الدَّاخِلِينَ فِيهِ مِنْهُمْ، بَلْ أَكْثَرُ الْأُمَمِ دَخَلُوا فِي الْإِسْلَامِ طَوْعًا وَرَغْبَةً وَاخْتِيَارًا لَا كَرْهًا وَاضْطِرَارًا.
وَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بَعْثَ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَسُولًا إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ وَهُمْ خَمْسَةُ أَصْنَافٍ قَدْ طَبَقُوا الْأَرْضَ: يَهُودُ، وَنَصَارَى، وَمَجُوسٌ، وَصَابِئُونَ، وَمُشْرِكُونَ.
وَهَذِهِ الْأَصْنَافُ هِيَ الَّتِي كَانَتْ قَدِ اسْتَوْلَتْ عَلَى الدُّنْيَا مِنْ مَشَارِقِهَا إِلَى مَغَارِبِهَا.