وموضع"من"رفع، والخبر مضمر. ولا يجوز أن يكون الخبر {لَبِئْسَ الْمَوْلَى} أعني خبر"لمن"لأن الكافر المتمسك بعبادة الأصنام لا يقول للصنم لبئس المولى.
وزاد أبو الفتح لهذا القول بيانًا فقال:"يدعو"بمنزلة يقول، أي يقول لمن ضره أقرب من نفعه إله أو رب، فتكون"من"مرفوعة بالابتداء، وخبرها محذوف مقدر، ويدل على أن"يدعو"بمنزلة يقول قول عنترة:
يدعون عنترة أي يقولون: يا عنترة، فدل يدعون عليها.
فإن قيل: فلم جعلوا خبر"من"محذوفا دون أن يكون قوله {لَبِئْسَ الْمَوْلَى} كما أجزتم في القول الثاني؟ قيل: إنَّ الكفار ليسوا يقولون لمن يدعونه إلها: لبئس المولى، ولو قالوا ذلك لما عبدوه.
ومعنى {لَبِئْسَ الْمَوْلَى} ذم لمعبودهم لا على الحكاية عنهم ولكن على الإخبار، أخبر الله تعالى أن من ضره أقرب من نفعه فإنَّه بئس المولى. فإنْ قيل: فإذا كان الأمر كذلك فكيف جاز أن يقول يدعو بمعنى يقول لمن ضره أقرب من نفعه إله، والكافر لا يقول ذلك؟ قيل: إنَّ ذلك على حكاية قولنا نحن فيه أي يقول لمن ضره أقرب من نفعه عندنا وفي قولنا إله عنده.
وقد جاءت هذه الحكاية عنهم مجيئًا واسعًا من ذلك قوله تعالى: {ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ} [الدخان: 49] وقوله: {يَا أَيُّهَ السَّاحِرُ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ} [الزخرف: 49] وقالوا هذا بعد إيمانهم وتقديره: يا أيها الساحر عند أولئك الذين يدعونك ساحرًا، فأمَّا نحن فنعلم أنك لست بساحر. انتهى كلامه.
وهذا القول - أنَّ"يدعو"بمعنى: يقول - هو قول الأخفش ذكره في كتابه، واختيار المبرّد.
قال المبرد: يدعو بمعنى: يقول، كقول القائل: ما يدعى فلان فيكم أي: ما يقال له. فمعناه: يقول لمن ضره أقرب من نفعه إله، فالخبر محذوف لما دل عليه من قوله"يدعو من دون الله".