وزاد أبو الفتح الموصلي بيانا لهذا القول فقال: في"يدعو"من قوله {يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ} هاء منصوبة بـ"يدعو"محذوفة، وتكون الجملة في موضع نصب على الحال من"ذلك"في قوله {ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ} التقدير: ذلك هو الضلال البعيد مدعوًّا. وغير منكر حذف الهاء من الحال؛ لأنها تضارع الصفة، والصفة يجوز فيها حذف الهاء جوازًا حسنًا، من ذلك قولك: الناس رجلان رجل أكرمت ورجل أهنت. ومن أبيات الكتاب:
أبحتَ حِمَى تهامة بعد نجد ... وما شيء حميت بمستباح
أي حميته. فعلى هذا تقول: نظرت إلى زيد تضرب هند، [أي: ضربه هند] ، فحذف الهاء من الحال لمضارعتها الصفة. وتكون اللام في"لمن"لام الابتداء و"من"مرفوعة بالابتداء، وقوله"لبئس المولى"خبر"من"كأنَّه قال: للذي ضره أقرب من نفعه لبئس المولى. واللام التي في"لبئس"هي اللام التي يتلقى بها القسم في نحو:
لناموا فما إنْ مِنْ رقيب ولا صالي
وهي تدل على يمين محذوفة، فكأنه قال: للذي ضَرُّه أقرب من نفعه والله لبئس المولى. كما تقول: زيد والله لقد قام. هذا كله كلام أبي الفتح في بيان القول الثاني من الأقوال التي حكاها الزَّجَّاج.
قال الزجاج: وفيه وجه ثالث: يكون"يدعو"في معنى يقول. ويكون"من"في موضع رفع، وخبره محذوف. ويكون المعنى: يقول لمن ضره أقرب من نفعه هو مولاي.
ومثل يدعو في معنى يقول قول عنترة:
يدعون عنتر والرماح كأنها ... أشطان بئر في لبان الأدهم
قال: ويجوز أن يكون يدعو في معنى يسمّى كما قال ابن أحمر:
أهوى لها مشقصا حشرًا فشبرقها ... وكنت أدعو قذاها الإثمد القردا
ووجه هذا القول كوجه الذي قبله. انتهت الحكاية عنه.
قال أبو علي: أقول إنَّ الدعاء بمعنى القول سائغ، وهذا الوجه الذي أجازه ممكن، أعني أن يصرف يدعو إلى معنى يقول فيحكى ما بعدها إذا كان في معنى القول وضربًا منه، واللام في"لمن"لام ابتداء،