قال أبو علي: فأما قوله: يجوز أن يكون يدعو في معنى يسمى، فقدل ممتنع غير جائز في الآية وقد أجاز سيبويه فقال: يقول دعوته زيدًا إذا أردت مني سميته فتعديه إلى مفعولين. والذي منع من (إجازة ذلك في الآية دخول لام الابتداء في الكلام وإذا حمله على هذا التأويل لزمه أن يعلقه, لأنّه لا يعمله في اللفظ.
والتعليق فيه لا يجوز؛ لأنَّ التعليق إنَّما يجوز فيما يجوز فيه الإلغاء، وهو علمت وبابه، ولو جاز التعليق في سمَّيت لجاز أن تقول: سميت أخوك زيد، كما تقول: علمت لزيد منطلق. وهذا قول الخليل وسيبويه وجميع البصريين. إذ التعليق لا يجوز فيما عدا علمت وبابه، والبيت الذي أنشده يجوز أن يكون يدعو فيه بمعنى يسمى؛ لأنه لا شيء فيه يمنع من ذلك كما منع منه في الآية دخولُ اللام. ألا ترى أنَّ قوله:
وكنت أدعو قذاها الإثمد القردا
أنه بمنزلة"كنت أدعو أخاك زيدًا". فلا يجوز أن يكون يدعو بمعنى يسمى في الآية كما جاز في تأويله الذي في هذا البيت.
قال أبو إسحاق: وفيها وجه رابع - وهو الذي أغفله الناس -: أنَّ"ذلك"في موضع نصب بوقوع"يدعو"عليه، ويكون"ذلك"في تأويل الذي، ويكون المعنى: الذي هو الضلال البعيد يدعو، ويكون {لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ} مستأنفًا. وذا مثل قوله {وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى} [طه: 17] على معنى: ما التي بيمينك؟.
قال أبو علي: وهذا الوجه هو الحسن، أعني أن يتأوّل"ذلك"بمعنى"الذي"، ويجعل قوله"هو الضلالة البعيد"صلته، ويجعل الموصول في موضع نصب، فتكون اللام حينئذٍ داخلاً على اسم مبتدأ موصول، وقوله {لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ} في موضع رفع لوقوعه خبر المبتدأ، واللام التي في قوله {لَبِئْسَ الْمَوْلَى} لام اليمين، وهي التي إذا دخلت على المضارع لزمته النون، وهذا ما يجب أن تحمل الآية عليه.