والغَصْب: ما أُخذ بغير الحق ، عُنْوةً وقَهْراً ومُصَادرة ، وله صور متعددة منها مثلاً السرقة: وهي أَخْذ المال من حِرْزه خفية ككسر دولاب أو خزينة ، ومنها الغَصْب: وهو أخْذ مال الغير بالقوة ، وتحت سمعه وبصره ، وفي هذه الحالة تحدث مقاومة ومشادة بين الغاصب والمغصوب .
ومنها الخطف: وهو أخْذ مال الغير هكذا علانية ، ولكن بحيلةٍ ما ، يخطف الشيء ويفرّ به دون أن تتمكّن من اللحاق به ، فالخَطْفُ إذن يتم علانية ولكن دون مقاومة . ومنها الاختلاس: وهو أن تأخذ مال الغير وأنت مؤتمن عليه ، والاختلاس يحدث خفية ، ولا يخلو من حيلة تستره .
وما دام الأمر هنا غَصْباً فلا بُدَّ لمالك الشيء أنْ يقاوم ولو بعض مقاومة يدافع بها عن حَقِّه ، وقد يتوسل إليه أنْ يترك له ماله ، فالمسألة إذن فيها كلام وأخْذٌ وَرَدٌّ .
إذن: خَرْق السفينة في ظاهره اعتداء على ملك مُقوّم ، وهذا منهيّ عنه شرعاً ، لكن إذا كان هذا الاعتداء سيكون سبباً في نجاة السفينة كلها من الغاصب فلا بأس إذن ، وسفينة معيبة خير من عدمها ، ولو عَلِم موسى عليه السلام هذه الحكمة لَبادرَ هو إلى خَرْقها .
وما دام الأمر كذلك ، فعلينا أن نُحوِّل السفينة إلى سفينة غير صالحة ونعيبها بخَرْقها ، أو بخلْع لَوْح منها لنصرف نظر الملك المغتصب عن أَخْذها .
وكلمة {وَرَآءَهُم} هنا بمعنى أمامهم ؛ لأن هذا الظالم كان يترصَّد للسفن التي تمر عليه ، فما وجدها صالحة غصبها ، فهو في الحقيقة أمامهم ، على حَدِّ قوله تعالى: {مِّن وَرَآئِهِ جَهَنَّمُ ويسقى مِن مَّآءٍ صَدِيدٍ} [إبراهيم: 16] وهل جهنم وراءه أم أمامه؟
وتستعمل وراء بمعنى: بَعْد ، كما في قوله تعالى: {فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِن وَرَآءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ} [هود: 71]