وَقَوْلُهُ: {إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} يَقُولُ: حِينَ قَامُوا بَيْنَ يَدَيِ الْجَبَّارِ دقينوس، فَقَالُوا لَهُ إِذْ عَاتَبَهُمْ عَلَى تَرْكِهِمْ عِبَادَةَ آلِهَتِهِ: {رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} يَقُولُ: قَالُوا رَبُّنَا مَلِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِمَا مِنْ شَيْءٍ، وَآلِهَتُكَ مَرْبُوبَةٌ، وَغَيْرُ جَائِزٍ لَنَا أَنْ نَتْرُكَ عِبَادَةَ الرَّبِّ وَنَعْبُدَ الْمَرْبُوبَ {لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا}
يَقُولُ: لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَهًا، لِأَنَّهُ لَا إِلَهَ غَيْرُهُ، وَإِنَّ كُلَّ مَا دُونَهُ فَهُوَ خَلْقُهُ.
{لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا}
يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: لَئِنْ دَعَوْنَا إِلَهًا غَيْرَ إِلَهِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، لَقَدْ قُلْنَا إِذَنْ بِدُعَائِنَا غَيْرَهُ إِلَهًا شَطَطًا مِنَ الْقَوْلِ: يَعْنِي غَالِيًا مِنَ الْكَذِبِ، مُجَاوِزًا مِقْدَارُهُ فِي الْبُطُولِ وَالْغُلُوِّ: كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
[البحر الطويل]
أَلَا يَا لِقَوْمِي قَدْ أَشَطَّتْ عَوَاذِلِي ... وَيَزْعُمْنَ أَنْ أَوْدَى بِحَقِّيَ بَاطِلِي
يُقَالُ مِنْهُ: قَدْ أَشَطَّ فُلَانٌ فِي السَّوْمِ إِذَا جَاوَزَ الْقَدْرَ وَارْتَفَعَ، يَشِطُ إِشْطَاطًا وَشَطَطًا. فَأَمَّا مِنَ الْبُعْدِ فَإِنَّمَا يُقَالُ: شَطَّ مَنْزِلُ فُلَانٌ يَشِطُّ شُطُوطًا، وَمَنَ الطُّوَلِ: شَطَّتِ الْجَارِيَةُ تَشِطُّ شَطَاطًا وَشَطَاطَةً: إِذَا طَالَتْ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {هَؤُلَاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا (15) }
يَقُولُ عَزَّ ذِكْرُهُ مُخْبِرًا عَنْ قِيلِ الْفِتْيَةِ مِنْ أَصْحَابِ الْكَهْفِ: هَؤُلَاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونَ اللَّهِ آلِهَةً يَعْبُدُونَهَا مِنْ دُونِهِ {لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ}
يَقُولُ: هَلَّا يَأْتُونَ عَلَى عِبَادَتِهِمْ إِيَّاهَا بِحُجَّةٍ بَيِّنَةٍ.