شَهْرِ كَذَا وَكَذَا فِي سَنَةِ كَذَا وَكَذَا، فِي مَمْلَكَةِ فُلَانِ ابْنِ فُلَانٍ، وَرَفَعُوا اللَّوْحَ فِي الْخِزَانَةِ. فَمَاتَ ذَلِكَ الْمَلِكُ وَغَلَبَ عَلَيْهِمْ مَلِكٌ مُسْلِمٌ مَعَ الْمُسْلِمِينَ، وَجَاءَ قَرْنٌ بَعْدَ قَرْنٍ، فَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَمِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا.
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ كَانَ مَصِيرُهُمْ إِلَى الْكَهْفِ هَرَبًا مِنْ طَلَبِ سُلْطَانٍ كَانَ طَلَبَهُمْ بِسَبَبِ دَعْوَى جِنَايَةٍ ادُّعِيَ عَلَى صَاحِبٍ لَهُمْ أَنَّهُ جَنَاهَا.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا (11) ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا (12) }
يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ: {فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ} فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ بِالنَّوْمِ فِي الْكَهْفِ: أَيْ أَلْقَيْنَا عَلَيْهِمُ النَّوْمَ، كَمَا يَقُولُ الْقَائِلُ لِآخَرَ: ضَرَبَكَ اللَّهُ بِالْفَالِجِ، بِمَعْنَى ابْتَلَاهُ اللَّهُ بِهِ، وَأَرْسَلَهُ عَلَيْهِ.
وَقَوْلُهُ: {سِنِينَ عَدَدًا}
يَعْنِي سِنِينَ مَعْدُودَةً، وَنُصِبَ الْعَدَدُ بِقَوْلِهِ {فَضَرَبْنَا} .
وَقَوْلُهُ: {ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى}
يَقُولُ: ثُمَّ بَعَثْنَا هَؤُلَاءِ الْفِتْيَةَ الَّذِينَ أَوَوْا إِلَى الْكَهْفِ بَعْدَ مَا ضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِيهِ سِنِينَ عَدَدًا مِنْ رَقْدَتِهِمْ، لَيَنْظُرَ عِبَادِي فَيَعْلَمُوا بِالْبَحْثِ، أَيَّ الطَّائِفَتَيْنِ اللَّتَيْنِ اخْتَلَفَتَا فِي قَدْرِ مَبْلَغِ مُكْثِ الْفِتْيَةِ فِي كَهْفِهِمْ رُقُودًا {أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا}
يَقُولُ: أَصَوْبُ لِقَدْرِ لُبْثِهِمْ فِيهِ أَمَدًا، وَيَعْنِي بِالْأَمَدِ: الْغَايَةَ، كَمَا قَالَ النَّابِغَةُ:
[البحر البسيط]
إِلَّا لِمِثْلِكَ أَوْ مَنْ أَنْتَ سَابِقُهُ ... سَبْقَ الْجَوَادِ إِذَا اسْتَوْلَى عَلَى الْأَمَدِ
وَذُكِرَ أَنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ مِنْ أُمُورِهِمْ، قَوْمٌ مِنْ قَوْمِ الْفِتْيَةِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: كَانَ الْحِزْبَانِ جَمِيعًا كَافِرَيْنِ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ كَانَ أَحَدُهُمَا مُسْلِمًا، وَالْآخَرُ كَافِرًا.
عَنْ قَتَادَةَ: مَا كَانَ لِوَاحِدٍ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ عِلْمٌ، لَا لِكُفَّارِهِمْ وَلَا لِمُؤْمِنِيهِمْ.