والحاصل: أن لعل هنا للاستفهام الإنكاري، المتضمن معني النهي، أي لا تبخع نفسك من بعد توليهم عن الإيمان، وإعراضهم عنه أسفا وحسرة عليهم؛ أي: إنك قد اشتد وجدك عليهم، وبلغت حالًا من الأسى والحسرة، صرت فيها أشبه بحال من يحدث نفسه أن يبخعها أسى وحسرة عليهم، وما كان من حقك أن تفعل ذلك إن عليك إلا البلاغ وليس عليك الهداية {لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ} .
وقد جاء مثل هذا النهي في آيات كثيرة، كقوله: {لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (3) } وقوله: {فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ} وقوله: {وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ} .
وخلاصة ذلك: أبلغهم رسالة ربك، فمن اهتدى فلنفسه، ومن ضلّ فإنّما يضل عليها، ولا تذهب نفسك عليهم أسًى وحسرةً، فإنما أنت منذرٌ ولست عليهم بمسيطر، إن عليك إلا البلاغ،
7 -ثم ذكر سبحانه سبب إرشاده إلى الإعراض عنهم بغير ما يقدر عليه من التبليغ بالبشارة والنذارة، وهو أنه تعالى جعل ما على الأرض زينة لها ليختبر المحسن والمسيء، ويجازي كلًا بما يستحقّ، فقال: {إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ} من حيوان، ونبات، ومعادن {زِينَةً لَها} ، ولأهلها {لِنَبْلُوَهُمْ} ؛ أي: لنعاملهم معاملة من يختبر حتى يظهر {أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} في ترك الدنيا، ومخالفة هوى نفسه، طلبًا لله ومرضاته؛ أي: أيهم أطوع لله، وأشدّ استمرارًا على خدمته، وأيهم أقبح عملًا في الإعراض عن الله وما عنده من الباقيات الصالحات، والإقبال على الدنيا وما فيها من الفانيات الفاسدات.