وقَالَ بَعْضُهُمْ: (مَقَامًا مَحْمُودًا) هو مقام الشفاعة، واللَّه أعلم، أي: تشفع لأمتك وأهل العصيان منهم.
وجائز أن يكون هو صلة قوله - ما تقدم من قوله: (فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا) ، وقوله: (فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا) ، وقوله: (فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا) ، وما ذكر من المواعيد لما سمع هذا وقرع سمعه أخافه ذلك وأفزعه؛ فنزل قوله: (عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا) إن عبدت اللَّه وأطعته في جميع أموره ونواهيه، وأقمت له الصلاة والصيام.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا(80)
ظاهر هذا الخطاب يكون لرسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - حيث أمره أن يدعو بما ذكر، وقد عرف هو ما أمره من الدعاء بقوله: (رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ) ، فلا حاجة تقع لنا إلى أن نطلب المراد من ذلك، إلا أن يكون لغير في ذلك اشتراك، فعند ذلك يتكلف فيه ويطلب المراد منه.
وقد تكلم أهل التأويل في ذلك.
قَالَ بَعْضُهُمْ: قوله: (رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ) ، كان النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - بمكة ثم أمر بالهجرة منها إلى المدينة وأمر أن يدعو بهذا الدعاء: (رب أدخلني في المدينة مدخل صدق آمنا على زعم اليهود، وأخرجني من المدينة إلى مكة مخرج صدق على زعم كفار مكة ظاهرًا عليهم) ؛ ألا ترى أنه قال: (وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا) عليهم ففعل اللَّه ذلك له وأجابه، وقد ذكرنا في غير موضع أن حرف (السلطان) يتوجه إلى وجوه ثلاثة:
يكون مرة عبارة عن حجة قاهرة غالبة.
ويكون عبارة عن ولاية نافذة غالبة.
ويكون عبارة عن اليد الغالبة الظاهرة أيضًا، وقد كان - بحمد اللَّه ومنته - لرسول الله على الكفرة ذلك كله.