وقد رأيت كتاباً يترجم بكتاب النفخة والتسوية لبعض الفقهاء المتصوفة يذكر فيها أن الجواب في قوله {قل الروح من أمر ربي} إنما هو للعوام ، وأما الخواص فهم عنده يعرفون الروح ، وأجمع علماء الإسلام على أن الروح مخلوقة ، وذهب كفرة الفلاسفة وكثير ممن ينتمي إلى الإسلام إلى أنها قديمة واختلاف الناس في الروح بلغ إلى سبعين قولاً ، وكذلك اختلفوا هل الروح النفس أم شيء غيرها ، ومعنى {من أمر ربي} أي فعل ربي كونها بأمره ، وفي ذلك دلالة على حدوثها والأمر بمعنى الفعل وارد قال تعالى {وما أمر فرعون برشيد} أي فعله ، ويحتمل أن يكون أمراً واحداً الأمور وهو اسم جنس لها أي من جملة أمور الله التي استأثر بعلمها.
وقيل: من وحي ربي ، وكلامه ليس من كلام البشر ويتخرج على قول من قال إن الروح هنا القرآن.
وقيل: من علم ربي والظاهر أن الخطاب في {وما أوتيتم} هم الذين سألوا عن الروح وهم طائفة من اليهود.
وقيل اليهود بجملتهم.
وقيل الناس كلهم.
قال ابن عطية: وهذا هو الصحيح لأن قوله {قل الروح} إنما هو أمر بالقول لجميع العالم إذ جميع علومهم محصورة وعلمه تعالى لا يتناهى.
وقرأ عبد الله بن مسعود والأعمش: وما أوتوا بضمير الغيبة عائداً على السائلين ، ولما ذكر تعالى ما أنعم به من تنزيل القرآن على رسوله (صلى الله عليه وسلم) شفاء ورحمة وقدرته على ذلك ، ذكر قدرته على أنه لو شاء لذهب بما أوحى ولكنه تعالى لم يشأ ذلك والمعنى أنّا كما نحن قادرون على إنزاله نحن قادرون على إذهابه.
وقال أبو سهل: هذا تهديد لغير الرسول (صلى الله عليه وسلم) بإذهاب ما أوتوا ليصدهم عن سؤال ما لم يؤتوا كعلم الروح وعلم الساعة.
وروي لا تقوم الساعة حتى يرتفع القرآن والحديث وفي حديث ابن مسعود يسري به في ليلة فيذهب بما في المصاحف وبما في القلوب ، ثم قرأ عبد الله {ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك} .