وفي السيرة الهشامية والدلائل للبيهقي وتفسير البغوي وغيره من التفاسير عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أن قريشاً أرسلت إلى اليهود قبل الهجرة تسألهم عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لأنهم أهل الكتاب الأول وعندهم من علم الأنبياء ما ليس عند قريش ، فأمروهم أن يسألوه عن الروح ، وعن قصتي أصحاب الكهف وذي القرنين ، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم:"أخبركم بما سألتم عنه غداً"- ولم يستثن ، فانصرفوا عنه ، فمكث فيما يذكرون خمس عشرة ليلة ، لا يحدث الله إليه في ذلك وحياً ، حتى أرجف به أهل مكة ، وحتى حزن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، وشق عليه ما يتكلم به أهل مكة ، وروي أيضاً أن لبث الوحي كان أربعين ليلة.
وروي: اثنتي عشرة ليلة ، وفي مسند أبي يعلى عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: قالت قريش ليهود: أعطونا شيئاً نسأل عنه هذا الرجل! فقالوا: سلوه عن الروح ، فسألوه ، ونزلت {ويسئلونك} - الآية.
وليس ذلك وأمثاله بحمد الله بمشكل ، فإنه محمول على أنه نزل للسبب الأول ، فلما سئل عنه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ثانياً لم يجب فيه بالجواب الأول ، إما لرجاء أن يؤتى بأوضح منه ، أو خشية أن يكون نسخ - أو نحو ذلك لأمر رآه صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فيعيد الله سبحانه إنزاله عليه تثبيتاً له وإعلاماً بأنه هو الجواب ، وفيه مقنع ، وفي تأخير الجواب في هذا الأمر برهان قاطع لقريش وكل من له أدنى لب على صدق النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في أن هذا القرآن من عند الله ، لا يقدر عليه غيره ، لأنه لو كان قادراً على الإتيان بشيء منه من عند نفسه أو من عند أحد من الخلق لبذل جهده في ذلك ، تنزيهاً لنفسه الشريفة ، وهمته المنيفة ، وعرضه الطاهر ، عن مثل ما خاضوا فيه بسبب إخلاف موعدهم.