72 -ولم يذكر الأشقياء، وإن كانوا يقرؤون كتبهم أيضًا، لأنهم إذا قرؤوا ما فيها لم يفصحوا به خوفا وحياء، وليس لهم شيء من الحسنات ينتفعون به، ولكنه سبحانه ذكر ما يدل على حالهم القبيح فقال: {وَمَنْ كانَ} من المدعوين المذكورين {فِي هذِهِ} الدنيا {أَعْمى} ؛ أي: أعمى القلب لا يهتدي إلى رشده، {فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى} لا يرى طريق النّجاة، ويستولي الخوف والدهشة على قلبه، فيثقل لسانه عن قراءة كتابه {وَأَضَلُّ سَبِيلًا} ؛ أي: بل هو أخطأ عن سبيل النجاة في الآخرة من الأعمى في الدنيا، لزوال الاستعداد، وتعطل الأسباب والآلات، وفقدان المهلة.
قال النّيسابوري: لا خلاف أن المراد بعمى الدنيا عمى القلب، وأما
قوله: {فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى} فيحتمل أن يراد به عمى البصر كقوله: {وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى (124) قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (125) } ، وفي هذا زيادة العقوبة، ويحتمل أن يراد عمى القلب، وقيل: المراد بالآخرة عمل الآخرة؛ أي: فهو في عمل، أو في أمر الآخرة أعمى، وقيل: المراد من عمي عن النعم التي أنعم الله بها عليه في الدنيا، فهو عن نعم الآخرة أعمى، وقيل: من كان في الدنيا التي تقبل فيها التوبة أعمى فهو في الآخرة التي لا توبة فيها أعمى، وقيل: من كان في الدنيا أعمى عن حجج الله، فهو في الآخرة أعمى، وقد قيل: إنّ قوله: {فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى} أفعل تفضيل، أي: أشد عمى، وهذا مبنيٌّ على أنه من عمى القلب إذ لا يقال ذلك في عمى العين.