ثم إنه سبحانه عرّفه بواسطة ذلك العقل والفهم اكتساب العقائد الصحيحة، والأخلاق الفاضلة، فالأول: هو التكريم، والثاني: هو التفضيل.
والخلاصة: أن في الآية حثا للإنسان على الشكر، وألا يشرك بربه أحدًا؛ لأنه سخر له ما في البر والبحر، وكلأه بحسن رعايته، وهداه إلى صنعة الفلك لتجري في البحر، ورزقه من الطيبات وفضله على كثير من المخلوقات.
71 - {يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ} ؛ أي: اذكر يا محمد لأمتك، أهوال يوم ندعو كل أناس بإمامهم؛ أي بكتابهم الذي فيه أعمالهم، التي قدّموها، ولا ذكر للأنساب حينئذ؛ لأنها مقطوعة، فلا يقال: يا ابن فلان، فيقال: يا أصحاب كتاب الخير، ويا أصحاب كتاب الشر، كما قال تعالى: {فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُونَ} .
والخلاصة: أن المعوّل عليه يومئذ الأعمال، والأخلاق، والآراء، والعقائد النفسية، التي تغرس في النفوس، لا الأنساب؛ لأن الأولى باقية، والثانية فانية، ويؤيد هذا قوله: {فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ} وعلى هذا القول ابن عباس، وقتادة، والضحاك، وقيل: معنى {بِإِمامِهِمْ} ؛ أي: بمن اقتدوا به؛ أي: بنبيهم كأن يقال: يا أمة إبراهيم، يا أمة موسى؛ يا أمة عيسى، يا أمة محمد، فيقوم أهل الحقّ الذين اتّبعوا الأنبياء، فيأخذون كتبهم بأيمانهم، وكأن يقال: يا أتباع فرعون، يا أتباع نمروذ، يا أتباع أبي جهل، وبه قال الزجاج، وقال الضحاك، وابن زيد: بإمامهم أي بكتابهم الذي أنزل عليهم فينادى في القيامة يا أهل القرآن، يا أهل التوراة، يا أهل الإنجيل، وقيل: بمذاهبهم، فيقال: يا حنفي، يا شافعيُّ، يا معتزليُّ، يا قدريُّ، ونحو ذلك.