الأمر الثاني: أن ينزل اللَّه بهم ما أنزل بالذين آذوا أنبياءهم وأخرجوهم أو سدوا سبل الحق عليهم حتى يئسوا من أن يؤمنوا، وقال اللَّه لكل نبي منهم: (. . . لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلَّا مَن قَدْ آمَنَ. . .) ، فإنه ينزل عليهم من آياته خسفا، أو زلزالا، أو حاصبا، أو ريحا صرصرا عاتية.
وقد كان الأول وإن ذلك سنة الأولين، وقد قال تعالى:
(سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا(77)
(سُنَّةَ) منصوبة على أنها مفعول مطلق كمصدر، والفعل المحذوف سننا سنة من قد أرسلنا قبلك من رسلنا، أو نسُنُّ لك سنة من قد أرسلنا قبلك من رسلنا، وهو أنه لَا يخرج قوم أنبياءهم إلا أدلنا منهم؛ فآل لوط أخرجوا نبيهم فجعل عليهم الأرض عاليها سافلها، وثمود عقروا الناقة وآذوا صالحا فدمدم عليهم ربهم بذنبهم، وموسى أخرجه فرعون وملؤه فأغرقهم اللَّه تعالى وأدال منهم، كما قال تعالى: (وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ(5) .
(وَلا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا) ، أي تغييرا؛ لأنها لها منهاجا معلوما لَا تتحول عنه، وهو أن ينصر رسله، وقال تعالى: (إِنَّا لَنَنصُرُ رسُلَنَا. . .) ، وقد كان الأمر بالنسبة كذلك لمحمد - صلى الله عليه وسلم - فإنه بعد بضع سنين من هجرته دخل مكة محطما أوثانها، وقد آمَن أهلها وذهبت دولة الشرك.
في شريعة محمد دواء النفس ونصر الحق
قال الله تعالى:
(أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا(78)
نحسب أن هذه الآيات كانت قبيل الهجرة، بل إن سورة الإسراء كلها كانت قبيل الهجرة؛ إذ فيها الإسراء، وقد كان قبيل الهجرة إيناسا للنبي - صلى الله عليه وسلم - بعد أن فقد عمه أبا طالب الذي كان يحميه، وزوجه خديجة التي كانت السكن المواسية، ولذا نقول: إن قوله تعالى: