وقال أبو بكر قريبًا من هذا، وهو أن من عمي عن الرشد والحق في هذه الدنيا؛ لجهله به - فهو في الآخرة عند علمه بالرشد والحق أشد عمى، أو كلام نحو هذا.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: من عمي قلبه في الدنيا عن الإيمان باللَّه والتوحيد له - فهو في الآخرة يكون أعمى الوجه والحواس؛ كقوله: (لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا) ، وكقوله: (وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا...) الآية: ما ذكر ذاهبة حواسهم لما تركوا الانتفاع بها في الدنيا لما جعلت لهم الحواس.
ويشبه أن يكون قوله: (وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى) : بالافتراء على اللَّه (فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى) ، أي: مفتر على اللَّه - أيضًا - كقوله: (ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ) ، ونحوه: يفترون في الآخرة ويكذبون كما كذبوا في الدنيا، وكقوله: (أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ) ، ثم أخبر عنهم فقال: (وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ) .
وقال قتادة: (وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى) : يقول: ومن كان في الدنيا فيما أراه الله من آياته من خلق السماوات والأرض والجبال والنجوم أعمى (فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ) الغائبة عنه التي لم يرها - (أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا) ، وهو قريب مما ذكرنا.
وقال ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ومن كان في هذه النعم أعمى أن يعلم أنها من ألله - فهو في الآخرة أعمى عن حجته، ويقال: عن دين اللَّه، وأضل طريقا، ويقال: أضل عن حجته.