على أن من الواجب التنبيه على أمر هام نبهنا عليه أيضا في التعليق المذكور وهو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو المصدر الثاني للتشريع الواجب على المؤمنين اتباع ما أمر به ونهى عنه بعد القرآن وأنه يصحّ أن يصدر عنه تحليل وتحريم لما سكت عنه القرآن أو جاء فيه غامضا وغير مستوف لكل جانب. ولقد روي عنه أحاديث وردت في كتب الأحاديث الصحيحة مثل ذلك أوردنا بعضها في سياق التعليق المذكور.
وهي في صدد الذبائح والأطعمة الحيوانية وهناك أحاديث أخرى في صدد الألبسة والأشربة وغيرها أيضا وردت في كتب الأحاديث الصحيحة. من ذلك مثلا حديث رواه الشيخان والنسائي عن حذيفة قال: «نهانا النبيّ صلى الله عليه وسلم أن نشرب في آنية الذهب والفضة وأن نأكل فيهما وعن لبس الحرير والديباج وأن نجلس عليه» . وحديث رواه أصحاب السنن عن علي قال: «إنّ النبي صلى الله عليه وسلم أخذ حريرا فجعله في يمينه وأخذ ذهبا فجعله في شماله ثم قال إن هذين حرام على ذكور أمتي» .
والتلقين المنطوي في الآية في عدم جواز التحليل والتحريم جزافا ونسبة ذلك إلى الله افتراء ينسحب على النبي صلى الله عليه وسلم فلا يجوز لمؤمن أن ينسب إليه التحريم والتحليل جزافا بدون تثبت وتدبر وسند وثيق افتراء عليه كما هو المتبادر.
والآية الأخيرة وإن كانت على ما يتبادر متصلة بموضوع الآيات ودليلا على أن موضوعها مما أثير من بعض المسلمين أو بسبب تصرف بعضهم فإن فيها توكيدا لمبدأ التوبة القرآني وفي أسلوبها عمومية وشمول. ولقد علقنا على هذا المبدأ بما فيه الكفاية في سورة الفرقان والبروج فلا ضرورة للإعادة.
هذا وفي الآيات دلالة على أن سورة الأنعام قد سبقت في النزول هذه السورة كما هو واضح. لأن المحرمات على اليهود قد ذكرت في تلك السورة وعطف عليها هنا. وفي هذا نقض حاسم لترتيب بعض المستشرقين لنزول سورة الأنعام كآخر السور أو من أواخرها نزولا.
[سورة النحل (16) : الآيات 120 إلى 124]