والثاني: قوله: (وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ) ، أي: بدلنا حجة بعد حجة، وآية بعد آية لرسالته.
(قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ)
كلما أتاهم حجة على أثر حجة، وآية بعد آية يقولون: إنما أنت مفتر. ينسبون إليه الافتراء: أنه افترى، وكذلك كان عادتهم المعاندة والمكابرة؛ كقوله: (وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ) ، وكقوله: (مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ) ، ونحوه من الآيات. كلما أتى بهم حجة وآية بعد آية كانوا يستقبلونه بالتكذيب لها، ونسبة رسول اللَّه إلى الافتراء من نفسه؛ ويزداد لهم بذلك كفرًا، وهو ما قال: (وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ(124) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ): أخبر أنه كان يزداد لأهل الإيمان بما ينزل عليهم من سُورَةٍ إيمانًا، ويزداد لأهل الشرك رجسًا وكفرًا إلى كفرهم مثل هذا.
ولو كان يحتمل أن يكون حرف (إذا) مكان (لو) - لكان أقرب، ويكون تأويله: ولو أنزلنا حجة بعد حجة وآية على أثر آية جديدة - فما آمنوا؛ كقوله: (وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا) ، وكقوله: (وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ...) الآية، أي: لو أن هذا القرآن - قرآن سيرت به الجبال أو كلم به الموتى - فما آمنوا به؛ لعنادهم؛ فعلى ذلك: الأول قد يحتمل قوله: (وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ) بالسؤال مكان آية (قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ) .