وفي التشريع والأحكام حدث تبايُن كبير بين شريعة موسى عليه السلام وبين شريعة عيسى عليه السلام في القصاص مثلاً: في شريعة موسى حيث طغتْ المادية على بني إسرائيل حتى قالوا لموسى عليه السلام: {أَرِنَا الله جَهْرَةً . .} [النساء: 153] .
فهم لا يفهمون الغيب ولا يقتنعون به ، فكان المناسب لهم القِصَاص ولا بُدَّ ، ولو تركهم الحق سبحانه لَكَثُر فيهم القتل ، فهم لا ينتهون إلا بهذا الحُكْم الرادع: مَنْ قتَل يُقتلُ ، والقتل أنْفى للقتل .
وقد تعدّى بنو إسرائيل في طلبهم رؤية الله ، فكوْنُك ترى الإله تناقض في الألوهية ؛ لأنك حين تراه عينُك فقد حددّتَه في حيّز .
إذن: كونه لا يرى عَيْن الكمال فيه سبحانه وتعالى . وكيف نطمع في رؤيته جَلَّ وعلاَ ، ونحن لا نستطيع رؤية حتى بعض مخلوقاته ، فالروح التي بين جَنْبي كل مِنّا ماذا نعرف عن طبيعتها وعن مكانها في الجسم ، وبها نتحرك ونزاول أعمالنا ، وبها نفكّر ، وبها نعيش ، أين هي؟!
فإذا ما فارقتْ الروح الجسم وأخذ الله سره تحول إلى جيفة يسارع الناس في مواراتها التراب . هل رأيت هذه الروح؟ هل سمعتها؟ هل أدركتها بأي حاسّة من حواسِّك؟!
فإذا كانت الروح وهي مخلوقة لله يعجز العقل عن إدراكها ، فكيف بمَنْ خلق هذه الروح؟ فمن عظمته سبحانه أنه لا تُدركه الأبصار ، وهو يدرك الأبصار .
كذلك هناك أشياء مما يتطلبها الدين كالحق مثلاً ، وهو معنًى من المعاني التي يدّعيها كل الناس ، ويطلبون العمل بها ، هذا الحق ما شَكْله؟ ما لونه؟ طويل أم قصير؟! فإذا كُنّا لا نستطيع أن نتصوّر الحق وهو مخلوق لله سبحانه ، فكيف نتصور الله ونطمع في رؤيته؟!
ومن إسراف بني إسرائيل في المادية أن جعلوا لله تعالى في التلمود جماعة من النقباء ، وجعلوه سبحانه قاعداً على صخرة يُدلي رِجْليْه في قصعة من المرمر ، ثم أتى حوت . . الخ . . سبحان الله ؛ ألهذا الحدِّ وصلتْ بهم المادية؟