لكنهما يتفاضلان من جهة المتكلَّم فيه، فهذا كلام الله وخبره عن نفسه عزَّ وجلَّ، والثاني كلام الله الذي تكلم به عن بعض خلقه.
وكلام الأنبياء والعلماء والخطباء، بعضه أفضل من بعض، وإن كان المتكلم واحداً، وتفاضل الكلام من جهة المتكلم فيه سواء كان خبراً أو إنشاءً أمر معلوم.
فليس الخبر عن الله وأسمائه وصفاته والثناء عليه كالخبر المتضمن لذكر أبي لهب وفرعون وإبليس، وإن كان كل الكلام عظيماً تكلم به الله.
وكذلك الأمر بالتوحيد والإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله ونحو ذلك ليس كالأمر بلعق الأصابع وإماطة الأذى عن الطريق ونحو ذلك، وإن كانت كل
الأوامر الشرعية عظيمة أمر الله بها.
والقرآن الكريم أنزله الله هدى للناس: {يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ (26) } [البقرة: 26] .
فمن سمعه وأطاع الله أفلح، ومن سمعه وعصى الله شقي، والله أعلم بمن يصلح لدار كرامته، ومن يصلح لدار إهانته.
فالقرآن الكريم سمعه أبو بكر - رضي الله عنه - فصار صدّيقاً .. وسمعه مسيلمة فصار كذَّاباً.
وسمعه عمر - رضي الله عنه - فصار فاروق هذه الأمة .. وسمعه أبو جهل فصار فرعون هذه الأمة .. وسمعه أبو عبيدة - رضي الله عنه - فصار أمين هذه الأمة .. وسمعه سعد بن معاذ فصار من المهتدين، واهتز لموته عرش الرحمن، وسمعه عبد الله بن أبي فصار أكبر المنافقين.
والله أعلم حيث يجعل رسالته، وهو أعلم بمن يصلح لولايته.
والمعول والمقصود: سمعنا وأطعنا، ليس سمعنا وعصينا، ولا سمعنا فقط: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (16) } [التغابن: 16] .
وكما أن رؤية الأشياء تتم بأمرين: سلامة البصر، ووجود النور الخارجي، فكذلك الاستفادة من الدين تتم بأمرين:
نور الإيمان .. ونور القرآن.