{وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً} أي: مثلاً آخر يدل على ما دل عليه المثل السابق على وجه أوضح: {رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ} أي: أخرس: {لاَ يَقْدِرُ عَلَىَ شَيْءٍ} أي: مما يقدر عليه المنطيق المفصح عما في نفسه: {وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلاهُ} أي: ثقيل على من يلي أمره ، لعدم اهتمامه بإقامة مصالح نفسه: {أَيْنَمَا يُوَجِّههُّ لاَ يَأْتِ بِخَيْرٍ} أي: حيث يرسله في أمر لا يأت بنجحه وكفاية مهمه: {هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَن يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ} أي: ومن هو بليغ منطيق ذو كفاية ورشد لينفع الناس ، بحثهم على العدل الشامل لجميع الفضائل .
{وَهُوَ} أي: في نفسه مع ما ذكر من نفعه العام: {عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} أي: على سيرة صالحة ودين قويم ، لا يتوجه إلى مطلب إلا ويبلغه بأقرب سعي وأسهله .
قال الأزهري: ضرب تعالى مثلاً للصنم الذي عبدوه وهو لا يقدر على شيء ، فهو كلٌّ على مولاه ؛ لأنه يحمله إذا ظعن فيحوله من مكان إلى مكان . فقال الله تعالى: هل يستوي هذا الصنم الكل ، ومن يأمر بالعدل ؟ استفهام معناه التوبيخ ، كأنه قال: لا تسووا بين الصنم وبين الخالق جل جلاله . انتهى .
وإليه أشار الزمخشري بقوله: وهذا مثل ضربه الله لنفسه ، ولما يفيض على عباده ويشملهم مع آثار رحمته وألطافه ونعمه الدينية والدنيوية . وللأصنام التي هي أموات لا تضر ولا تنفع . انتهى .
وناقش الرازي في حمله على الصنم بأن الوصف بالرجل وبالبكم وبالكل وبالتوجه في جهات المنافع ، يمنع من حملها على الوثن . وكذا الوصف في الثاني بأنه على صراط مستقيم ، يمنع من حمله على الله تعالى . انتهى .