وحاصل المعنى: أنه كما لا يستوي عندكم عبدٌ مملوك لا يقدر من أمره على شيء، ورجل حر قد رزقه الله تعالى رزقًا حسنًا، فهو ينفق منه، كذلك لا يستوي الرب الخالق الرازق والجمادات من الأصنام التي تعبدونها، وهي لا تبصر ولا تسمع ولا تضر ولا تنفع، وقيل: المراد بالعبد المملوك في الآية هو الكافر المحروم من طاعة الله وعبوديته، والآخر هو المؤمن، والغرض أنهما لا يستويان في الرتبة والشرف، وقيل: العبد هو الصنم، والثاني عابد الصنم، والمراد: أنهما لا يستويان في القدرة والتصرف؛ لأن الأول جماد، والثاني إنسان.
والخلاصة: أي إنَّ مثلكم في إشراككم بالله الأوثان، مثل من سوى بين عبدٍ مملوك عاجز عن التصرف وحرٍ مالك مالًا ينفق منه كيف يشاء، ويتصرف فيه كما يريد، والفطرة السليمة تشهد بأنهما ليسا مستوين في التبجيل والاحترام، مع استوائهما في الخلق والصورة، فكذلك لا ينبغي لعاقل أن يسوي بين الإله القادر على الرزق والإفضال والأصنام التي لا تملك ولا تقدر على شيء ألبتة.
ثم ذكر ما هو كالنتيجة لما سلف فقال: {الْحَمْدُ لِلَّهِ} اعتراض؛ أي: كل الحمد لله سبحانه وتعالى وحده؛ لأنه معطي جميع النعم، لا يستحقه أحد غيره، فضلًا عن استحقاق العبادة، فكيف تستحق الأصنام منه شيئًا، ولا نعمة منها أصلًا لا بالأصالة ولا بالتوسط، وقيل: أراد الحمد لله على ما أنعم به على أوليائه من نعمة التوحيد، وقيل: أراد قُلْ الحمد لله، والخطاب لمحمد - صلى الله عليه وسلم - ، أو لمن رزقه رزقًا حسنًا، وقيل: أراد الحمد لله على إقامة هذه الحجة، ذكره"الشوكاني" {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} أن كل الحمد لله وحده، فيسندون نعمه تعالى إلى غيره، ويعبدونه لأجلها، وبعض الكفار يعلمون ذلك، وأما لا يعلمون سبب الحمد عنادًا كقوله تعالى: {يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ (83) } .