فإذا ما نظرنا إلى الحركة في الحياة وجدنا الإنسان على العكس يطلب السعة ؛ لأن الحركة تقتضي السعة في المكان ، فمَنْ كان عنده مزرعة يطلب عزبة ، ومن كان عنده عزبة يتمنى ثانية وثالثة وهكذا لأن حركة الحياة تحتاج مجالاً واسعاً فسيحاً .
هذا عن النوع الأول ، وهو السكن المادي سكن القالب ، وهو من أعظم نِعَم الله على عباده . . أن يكون لهم سكَن يأوون إليه ، ويرتاحون فيه من عناء وحركة الحياة .
ولذلك حينما أراد الحق سبحانه أن يُعذِّب بني إسرائيل ، أشاع سكنهم في الأرض كلها ، وحرمهم من نعمة السكن الحقيقي الخاص ، فقال تعالى: {وَقُلْنَا مِن بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسكنوا الأرض ...} [الإسراء: 104] .
فالأرض هي المكان العام الذي يسكن فيه كل الناس . . فليس لهم بلد تجمعهم ، بل بدَّدهم الله في الأرض ولم يجعل لهم وطناً ، كما قال في آية أخرى: {وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الأرض أُمَماً ...} [الأعراف: 168] .
حتى في البلاد التي يعيشون فيها تراهم معزولين عن الناس في أماكن خاصة بهم لا يذوبون في غيرهم ، وهكذا سكنوا الأرض ولم تحدد لهم بلد .
أما النوع الثاني من السكن ، وهو السكن المعنوي أو سكن القلب ، فهو سكن الزوج إلى زوجته الصالحة التي تُخفّف عنه عناء الحياة وهمومها ، تبتسم في وجهه إنْ كان مسروراً وتُهدِّيء من غضبه إنْ كان مُغْضَباً ، تحتويه بما لديها من حُب وحنان وإخلاص . . هذا هو السكن المعنوي ، سكن القلب .
وقوله:
{وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَآ أَثَاثاً وَمَتَاعاً إلى حِينٍ} [النحل: 80] .
الأصواف للغنم ، والأوبار للإبل ، والشعر للماعز . . فما الفرْق بين هذه الثلاث في الاستعمال؟
يستعمل الناس كلاً من الصوف والوبر ؛ لأن الشُّعيرات فيها دقيقة جداً يمكن نَدْفها وغَزْلها والانتفاع بها في الفُرش والأبسطة والألحفة والملابس وغيرها مما يحتاجه الناس .