وقد بعث الله رسوله محمداً - صلى الله عليه وسلم - رحمة للعالمين، ليس بمسلط عليهم ولا قهار لهم، ولم يبعث ليجبرهم على الإسلام أو يكرههم عليه، وإنما أمره ربه الذي أرسله أن يذكِّر بكلامه من يخاف وعيده، فهو الذي ينتفع بالتذكير، وأما من لا يؤمن بلقائه ولا يخاف وعيده ولا يرجو ثوابه فلا ينتفع بالتذكير كما قال سبحانه: {نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ (45) } [ق: 45] .
وقد جرت سنة الله التي لا تتبدل أن العزة والغلبة والنصر والتمكين لرسله وأوليائه بالحجة والقهر.
فمن أمر منهم بالحرب نصره على عدوه، ومن لم يؤمر بالحرب أهلك الله عدوه كما أهلك قوم نوح بالماء، وقوم عاد بالريح، وقوم ثمود بالصيحة: {كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (21) } [المجادلة: 21] .
والله تبارك وتعالى له الخلق كله، وله الأمر كله، وكل شيء وقع في وقته الذي هو أليق الأوقات بوقوعه فيه كان أحسن وأنفع وأجدى، كما إذا وقع الغيث في أحوج الأوقات إليه، وكما إذا وقع الفرج في وقته الذي يليق به.
وجميع أقدار الرب تعالى على عباده واقعة في أليق الأوقات بها فـ: {قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا (3) } [الطلاق: 3] .
وقالت الملائكة: {وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا (64) } [مريم: 64] .
ومن رحمة الله العزيز الرحيم بعباده أن أرسل إليهم الرسل يدعونهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له.
وكلما ضل الناس أو انصرفوا عن عبادة الله إلى غيره بعث نبياً يردهم إلى ربهم وخالقهم.
فبعث الله نوحاً - صلى الله عليه وسلم - أحوج ما كان الناس إلى بعثته.
وبعث سبحانه هوداً - صلى الله عليه وسلم - أحوج ما كان الناس إلى بعثته.
وبعث صالحاً - صلى الله عليه وسلم - أحوج ما كان الناس إلى بعثته.
وبعث سبحانه إبراهيم - صلى الله عليه وسلم - أحوج ما كان الناس إلى بعثته.