ثم أعطى الله محمداً - صلى الله عليه وسلم - ما أعطى الأنبياء جميعاً، لكن جعل رسالته لعموم البشرية، بل للإنس والجن، بل جعله رحمة للعالمين، وجعله خاتماً للرسل، وجعل أمته خير الأمم وآخرها، وأعطاها وظيفة الأنبياء والرسل، وأشرف الوظائف وأعلاها، وهي الدعوة إلى الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كما قال سبحانه: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (110) } [آل عمران: 110] .
وبنو آدم درجات: فمنهم العاقل والمجنون، والرشيد والسفيه، والمؤمن والكافر، وأعلاهم درجات الرسل ثم أتباعهم، ومهمة الأعلى أن يأخذ بيد الأدنى، فالأنبياء والرسل أرسلهم الله ليرفعوا البشرية من التشريعات البشرية
السفلية إلى الإيمان والفضائل والتشريعات والأخلاق السماوية.
فإذا عكس البشر القضية وشد الأدنى الأعلى صار الجميع في المنحدر، وذلك ما يريده الشيطان وأتباعه.
وهذه الأمة أمة أمية، ونبيها أمي، والأمي كما ولدته أمه لم يأخذ ثقافته من مساويه بل أخذها من ربه الأعلى.
وإذا كان الله عزَّ وجلّ َقد حرم محمداً بالأمية من معطيات عقول البشر فقد وصله بالعلوية التي تعلم البشر، وتهدي البشر، وتملك البشر.
وأعداء الإسلام يعرفون هذا الدين، وهذا القرآن كما يعرفون أبناءهم.
يعرفون ما فيه من سلطان وقوة، وما فيه من خير وصلاح، وما فيه من أخلاق وآداب، وما فيه من سنن ونظام.
ويحسبون لهذا الكتاب ألف حساب، ويعلمون أن الأرض لا تسعهم وتسع أهل الدين.