عند ذلك يخشع منه القلب، وتدمع العين، ويستخذي الغضب، وتخمد الشهوة،
والسامع لم يفهم من ذلك كله إلا أنه يُرضي الله وأولياءه إذا أطاع ويسخطهم إذا
عصى، ذلك هو المشهور من حال البشر، غابرهم وحاضرهم، ومنكره يسم نفسه
أنه ليس منهم، كم سمعنا أن عيونًا بكت، وزفرات صعدت، وقلوبًا خشعت لوعظ
الدين، لكن هل سمعت مثل ذلك بين يدي نُصَّاح الأدب وزعماء السياسة، متى
سمعنا أن طبقة من طبقات الناس يغلب الخير على أعمالهم لما فيه من المنفعة
لعامتهم أو خاصتهم ويُنفى الشر من بينهم لما يجلبه عليهم من مضار ومهالك؟، هذا
أمر لم يُعهد في سير البشر، ولا ينطبق على فِطَرهم، وإنما قوام الملكات هو العقائد
والتقاليد، ولا قيام للأمرين إلا بالدين، فعامل الدين هو أقوى العوامل في أخلاق
العامة، بل والخاصة، وسلطانه على نفوسهم أعلى من سلطان العقل الذي هو
خاصة نوعهم.
قلنا: إن منزلة النبوات من الاجتماع هي بمنزلة العقل من الشخص، أو منزلة
العلم المنصوب على الطريق المسلوك، بل نصعد به إلى ما فوق ذلك ونقول:
منزلة السمع والبصر، أليس من وظيفة الباصرة التمييز بين الحسن والقبيح من
المناظر، وبين الطريق السهلة السلوك والمعابر الوعرة، ومع ذلك فقد يسيء
البصير استعمال بصره، فيتردى في هاوية يهلك فيها وعيناه سليمتان تلمعان في
وجهه، يقع ذلك لطيش أو إهمال، أو غفلة أو لجاج أو عناد، وقد يقوم من العقل
والحس ألف دليل على مضرة شيء، ويعلم ذلك الباغي في رأيه من أهل الشر، ثم
يخالف تلك الدلائل الظاهرة، ويقتحم المكروه لقضاء شهوة اللجاج أو نحوها، ولكن
وقوع هذه الأمثال لا ينقص من قدر الحس أو العقل فيما خُلق لأجله، كذلك الرسل
عليهم السلام أعلام هداية نصبها الله على طريق النجاة، فمن الناس من اهتدى بها
فانتهى إلى غايات السعادة، ومنهم من غلط في فهمها وانحرف عن هديها فانكب في
مهاوي الشقاء، فالدين هادٍ والنقص يعرض لمن دُعوا إلى الاهتداء به، ولا يطعن
نقصهم في كماله واشتداد حاجتهم إليه يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَمَا يُضِلُّ