بِهِ إِلاَّ الْفَاسِقِينَ (البقرة: 26) ، ألا إن الدين مستقر السكينة، ولُجأ الطمأنينة،
به يرضى كلٌّ بما قُسم له، وبه يدأب عامل حتى يبلغ الغاية من عمله، وبه تخضع
النفوس إلى أحكام السنن العامة في الكون، وبه ينظر الإنسان إلى من فوقه في العلم
والفضيلة، وإلى مَن دونه في المال والجاه، اتباعًا لما وردت به الأوامر الإلهية،
الدين أشبه شيء بالبواعث الفطرية الإلهامية منه بالدواعي الاختيارية، الدين قوة من
أعظم قوى البشر، وإنما يعرض عليها من العلل ما يعرض لغيرها من القوى، وكل
ما وُجه إلى الدين من مثل الاعتراض الذي نحن بصدده فتبعته في أعناق القائمين
عليه الناصبين أنفسهم منصب الدعوة إليه، أو المعروفين بأنهم من حَفَظته
ورُعَاة أحكامه، وما عليهم في إبلاغ القلوب بغيتها منه إلا أن يهتدوا به، ويرجعوا
به إلى أصوله الطاهرة الأولى، ويضعوا عنه أوزار البدع، فترجع إليه قوته،
وتظهر للأعمى حكمته.
ربما يقول قائل: إن هذه المقابلة بين العقل والدين تميل إلى رأي القائلين
بإهمال العقل بالمرة في قضايا الدين، وبأن أساسه هو التسليم المحض وقطع
الطريق على أشعة البصيرة أن تنفذ إلى فهم ما أودعه من معارف وأحكام. فنقول: لو
كان الأمر كما عساه أن يقال لَمَا كان الدين علمًا يهتدى به، وإنما الذي سبق تقريره
هو أن العقل وحده لا يستقل بالوصول إلى ما فيه سعادة الأمم بدون مرشد إلهي، كما
لا يستقل الحيوان في درك جميع المحسوسات بحاسة البصر وحدها، بل لابد معها
من السمع لإدراك المسموعات مثلاً. كذلك الدين هو حاسة عامة لكشف ما يشتبه
على العقل من وسائل السعادات، والعقل هو صاحب السلطان في معرفة تلك الحاسة
وتصريفها فيما منحت لأجله، والإذعان لما تكشف له من معتقدات وحدود أعمال،
كيف ينكر على العقل حقه في ذلك وهو الذي ينظر في أدلتها ليصل منها إلى
معرفتها، وأنها آتية من قِبَل الله؟ وإنما على العقل بعد التصديق برسالة نبي أن
يصدق بجميع ما جاء به، وإن لم يستطع الوصول إلى كُنْه بعضه والنفوذ إلى حقيقته
ولا يقضي عليه ذلك بقبول ما هو من باب المحال المؤدي إلى مثل الجمع بين