فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 252958 من 466147

أهل الدين الواحد قد تنشق عصاهم، وتختلف مذاهبهم في فهمه، وتتفرق عقولهم في

عقائدهم، ويثور بينهم غبار الشر، وتتشبث أهواؤهم بالفتن، فيسفكون دماءهم،

ويخربون ديارهم، إلى أن يغلب قويّهم ضعيفهم، فيستقر الأمر للقوة لا للحق والدين

فها هو الدين الذي تقول إنه جامع الكلمة ورسول المحبة، كان سببًا في الشقاق

ومضرمًا للضغينة، فما هذه الدعوى وما هذا الأثر؟

نقول في جوابه: نعم إن كل ذلك قد كان، ولكن بعد زمن الأنبياء وانقضاء

عهدهم، ووقوع الدين في أيدي من لا يفهمه أو يفهمه ويغلو فيه، ولكن لم يمتزج

حبه بقلبه أو امتزج بقلبه حب الدين ولكن ضاقت سعة عقولهم عن تصريفه تصريف

الأنبياء أنفسهم أو الخيرة من تبعتهم، وإلا فقل لنا: أي نبي لم يأتِ أمته بالخير الجم

والفيض الأعم، ولم يكن دينه وافيًا بجميع ما تمس إليه حاجتها، في أفرادها

وجملتها؟

أظن أنك لا تخالفنا في أن الجمهور الأعظم من الناس (بل الكل إلا قليلاً) لا

يفهمون فلسفة أفلاطون، ولا يقيسون أفكارهم وآراءهم بمنطق أرسطو، بل لو

عرض أقرب المعقولات إلى العقول عليهم بأوضح عبارة يمكن أن يأتي بها معبر لما

أدركوا منها إلا خيالاً لا أثر له في تقويم النفس، ولا في إصلاح العمل، فاعتبر

هذه الطبقات في حالها التي لا تفارقها، من تلاعب الشهوات بها، ثم انصب

نفسك واعظًا بينها في تخفيف بلاء ساقه النزاع إليها، فأي الطرق أقرب إليك في

مهاجمة شهواتهم وردها إلى الاعتدال في رغائبها؟

من البديهي أنك لا تجد الطريق الأقرب في بيان مضار الإسراف في الرغب،

وفوائد القصد في الطلب، وما ينحو نحو ذلك مما لا يصل إليه أرباب العقول

السامية إلا بطويل النظر، وإنما تجد أقصد الطرق وأقومها: أن تأتي إليه من نافذة

الوجدان المطلة على سر القهر المحيط به من كل جانب، فتذكره بقدرة الله الذي

وهبه ما وهب، الغالب عليه في أدنى شؤونه إليه، المحيط بما في نفسه، الآخذ

بأزمَّة هِممه، وتسوق إليه من الأمثال في ذلك ما يقرب إلى فهمه. ثم تروي له ما

جاء في الدين المعتقد به من مواعظ وعبر، ومن سير السلف في ذلك الدين ما فيه

أسوة حسنة، وتنعش روحه بذكر رضا الله عنه إذا استقام، وسخطه عليه إذا تقحم،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت