{فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى الله ...} [النحل: 36] .
أي: هداية إيمان ومعونةٍ بأن مكَّن المنهج في نفسه ، ويسَّره له ، وشرح به صدره .
{وَمِنْهُمْ مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضلالة . .} [النحل: 36] .
حقَّتْ: أي أصبحتْ حقاً له ، ووجبتْ له بما قدَّم من أعمال ، لا يستحق معها إلا الضلالة ، فما حقَّتْ عليهم ، وما وجبتْ لهم إلا بما عملوا .
وهذه كقوله تعالى: {إِنَّ الله لاَ يَهْدِي القوم الظالمين} [الأنعام: 144] .
أيُّهما أسبق: عدم الهداية من الله لهم ، أم الظلم منهم؟
واضح أن الظلم حدث منهم أولاً ، فسمَّاهم الله ظالمين ، ثم كانت النتيجة أنْ حُرموا الهداية .
وتذكر هنا مثالاً كثيراً ما كررناه ليرسخَ في الأذهان ولله المثل الأعلى هَبْ أنك سائر في طريق تقصد بلداً ما ، فصادفك مُفْترق لطرق متعددة ، وعلامات لاتجاهات مختلفة ، عندها لجأتَ لرجل المرور: من فضل أريدُ بلدة كذا ، فقال لك: من هنا . فقلت: الحمد لله ، لقد كِدْتُ أضلَّ الطريق ، وجزاكَ الله خيراً .
فلمَّا وجدك استقبلتَ كلامه بالرضا والحب ، وشكرْتَ له صنيعه أراد أنْ يُزيد لك العطاء . فقال لك: لكن في هذا الطريق عقبةٌ صعبة ، وسوف أصحبُك حتى تمرَّ منها بسلام .
هكذا كانت الأولى منه مُجرَّد دلالة ، أما الثانية فهي المعونة ، فلمَّا صدَّقْته في الدلالة أعانَك على المدلول . . هكذا أَمْرُ الرسل في الدلالة على الحق ، وكيفية قبول الناس لها .
ولك أنْ تتصور الحال لو قُلْتَ لرجل المرور هذا: يبدو أنك لا تعرف الطريق . . فسيقول لك: إذن اتجه كما تُحِب وسِرْ كما تريد .
وكلمة"الضلالة"مبالغة من الضلال وكأنها ضلال كبير ، ففيها تضخيمٌ للفعل ، ومنها قوله تعالى: {قُلْ مَن كَانَ فِي الضلالة فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرحمن مَدّاً ...} [مريم: 75] .