نقول: تعالوا نقرأ القرآن . . يقول تعالى: {وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فاستحبوا العمى عَلَى الهدى} [فصلت: 17] .
ولو كانت الهداية بالمعنى الذي تقصدون لَمَا استحبُّوا العَمى وفضَّلوه ، لكن"هديناهم"هنا بمعنى: دَلَلْناهم وأرشدناهم فقط ، ولهم حَقّ الاختيار ، وهم صالحون لهذه ولهذه ، والدلالة تأتي للمؤمن وللكافر ، دلَّ الله الجميع ، فالذي أقبل على الله بإيمان به زاده هُدًى وآتاه تقواه ، كما قال تعالى: {والذين اهتدوا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقُوَاهُمْ} [محمد: 17] .
ومن هذا ما يراه البعض تناقضاً بين قوله تعالى:
{إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ ...} [القصص: 56] .
وقوله: {وَإِنَّكَ لتهدي إلى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} [الشورى: 52] .
حيث نفى الحق سبحانه عن الرسول صلى الله عليه وسلم الهداية في الأولى ، وأثبتها له في الثانية . نلاحظ أن الحدث هنا واحد وهو الهداية ، والمتحدَّث عنه واحد هو الرسول صلى الله عليه وسلم ، فكيف يثبت حَدَثٌ واحد لمُحْدِثٍ واحد مرّة ، وينفيه عنه مرّة؟!
لا بُدَّ أن تكون الجهة مُنفكّة . . في: {إِنَّكَ لاَ تَهْدِي ...} [القصص: 56] .
أي: لا تستطيع أنْ تُدخِل الإيمان في قلب مَنْ تحب ، ولكن تدلُّ وترشد فقط ، أما هداية الإيمان فبيد الله تعالى يهدي إليه مَنْ عنده استعداد للإيمان ، ويَصْرف عنها مَنْ أعرض عنه ورفضهُ .
وكأن الله تعالى في خدمة عبيده ، مَنْ أحب شيئاً أعطاه إياه ويسَّره له ، وبذلك هدى المؤمن للإيمان ، وختم على قَلْب الكافر بالكفر .
إذن: تأتي الهداية بمعنيين: بمعنى الدلالة والإرشاد كما في الآية السابقة ، وبمعنى المعونة وشَرْح الصدر للإيمان كما في قوله تعالى: {ولكن الله يَهْدِي مَن يَشَآءُ . .} [القصص: 56] .
وقوله: {زَادَهُمْ هُدًى . .} [محمد: 17] .
فقوله تعالى: