أما من موسى إلى محمد صلى الله عليه وسلم فإن علماء بني إسرائيل من اللاويين والهارونيين كانوا يبلغون التوراة لليهود وللأمم، وإذا انطلق واحد منهم إلى الأمم؛ فإنه يكون رسولاً إلى الأمم. ليس على الحقيقة، وإنما على المجاز بمعنى أنه رسول رسول الله موسى - عليه السلام - وظلوا على هذا الحال إلى زمان سبى بابل سنة 586 ق. م فإنهم وهم في بابل حرفوا التوراة، وقصروا شريعة موسى على اليهود من دون الناس، وابتعدوا عن دعوة الأمم، وتعصبوا لجنسهم وتآمروا على الأمم (ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين سبيل) .
ومن قبل سبى بابل كان علماؤهم يدعون العرب إلى الله على وفق شريعة موسى. فيكون العالم الداعي رسولاً مجازاً. وهكذا في سائر بلاد العالم. أما من بعد السبى وتخلى العلماء عن الدعوة فإن كل أمة سارت على ما عندها من العلم. وقد وبخهم المسيح عيسى - عليه السلام - على إهمالهم في دعوة الأمم بقوله:"لكن ويل لكم أيها الكتبة والفَرِّيسِيُّون المراءون؛ لأنكم تُغلقون ملكوت السماوات قدام الناس؛ فلا تدخلون أنتم ولا تدعون الداخلين يدخلون" [متى 23: 13] .
ثم حث أتباعه بالانطلاق إلى بلاد اليهود أولاً بأمرين هما أن يعملوا بالتوراة، وأن يستعدوا لتركها إذا ما ظهر محمد رسول الله الذي يبشر به. وإذا فرغوا من دعوة اليهود في بلادهم ينطلقون إلى الأمم، وسماهم رسلاً مجازاً. فقال:"إلى طريق أمم لا تمضوا، وإلى مدينة للسامريين لا تدخلوا، بل اذهبوا بالحريّ إلى حُراف بيت إسرائيل الضالة. وفيما أنتم ذاهبون، اكْرِزوا قائلين:"إنه قد اقترب ملكوت السماوات" [متى 10: 5] . وملكوت السماوات هي مجيء محمد صلى الله عليه وسلم بعد مملكة الروم كما أنبأ النبي دانيال في الإصحاح السابع من سفره. انتهى انتهى {شبهات المشككين، لمجموعة من علماء الأزهر الشريف} ..."