والملاحظ أن أشد الناس حربا للتأويل يضطرون لتأويل بعض النصوص بصرفها عن ظاهرها الحرفي إلى غيره بسبب من الأسباب، وإذن فلا بد من تأويل ولكن إذا توفرت شروط معينة، كأن يكون هناك ضرورة للتأويل، وكأن يكون المتأول من الراسخين في العلم، وكأن يكون التأويل بما لا يجعل النصوص تتناقض، وكأن يكون ضمن ما تتحمله لغة العرب، نقول هذا بمناسبة مرور آية هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ فهذه الآية وسورتها تفصلان قوله تعالى: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ وَالْمَلائِكَةُ فالأشاعرة يؤولون قوله تعالى إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ بتقدير كلمة الأمر هنا، أي إلا أن يأتيهم أمر الله في ظلل من الغمام والملائكة، وقد أخذوا ذلك من آية النحل التي ذكرت كلمة الأمر هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ غير أن الآخرين يردون بأنّ سورة البقرة استعملت حرف العطف الواو الذي يقتضي الجمع وهاهنا استعمل حرف العطف (أو) الذي يفيد مجيء أحد المذكورين، مما يشير إلى أن المقامين بينهما شيء من الاختلاف، وأنا
أميل في هذه الأمور إلى ترك التأويل احتياطا، مع مراعاة جانب التنزيه كفريضة واجبة.
ولننتقل الآن إلى المجموعة الثانية في هذا المقطع الذي هو المقطع الثاني: ولنقدم لها بكلمة
رأينا أن مقدمة هذا المقطع قد انتهت بقوله تعالى: إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ. ثم رأينا المجموعة الأولى تقول: وَإِذا قِيلَ لَهُمْ أي للمستكبرين ماذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ