ولما كان هذا أمراً مفزعاً ، كان موجباً لمن له فهم أن يقول: هل فعل هذا أحد غير هؤلاء؟ فقيل: نعم! {كذلك} أي مثل هذا الفعل البعيد لبشاعته عن مناهج العقلاء ، مكراً في تدبير الأذى ، واعتقاداً وقولاً {فعل الذين} ولما كان الفاعلون مثل أفعالهم في التكذيب لم يستغرقوا الزمان ، أدخل الجار فقال تعالى: {من قبلهم وما} أي والحال أنه ما {ظلمهم الله} أي الذي له الكمال كله في تقديره ذلك عليهم ، لأنه المالك المطلق التصرف والملك الذي لا يسأل عما يفعل {ولكن كانوا} أي جبلة وطبعاً {أنفسهم} أي خاصة {يظلمون} فاستحقوا العقاب لقيام الحجة عليهم على السنن الذي جرت به عوائدكم فيمن باشر سوء من غير أن يكره عليه إكراهاً ظاهراً ، وهذا بعينه هو العلة في إرسال الرسل ، ونصب الشرئع والملل {فأصابهم} أي فتسبب عن ظلمهم لأنفسهم أن أصابهم {سيئات} أي عقوبات أو جزاء سيئات {ما عملوا وحاق} أي أحاط ضابطة {بهم} من العذاب والمرسل به من الملائكة {ما كانوا به} أي خاصة {يستهزؤن} تكبراً عن قبول الحق.
ومادة حاق واوية ويائية - بتراكيبها الست: حوق ، حقو ، قحو ، قوح ، وقح ، حيق - تدور على الإحاطة ، ويلزمها صلابة المحيط ولين المحاط به: حاق به الشيء - إذا نزل به فأحاط ، والحيق: ما يشتمل على الإنسان من مكروه فعله ، وحاق فيه السيف: حاك أي عمل - من التسمية باسم الجزء ، ولأنه في الأغلب يكون في عمله الموت المحيط بالأجل ، وحاق بهم الأمر: لزمهم ووجب عليهم ونزل بهم ، والحيقة: شجرة كالشيح يؤكل بها التمر - كأنه يحيط بالتمرة ، وحايقه: حسده وأبغضه - لإحاطة ذلك.