ومِن هذا الشرحِ العلميِّ تتبيَّنُ لنا دقَّةُ الوصفِ القرآني {وَأَنزَلْنَا الحديد} ، ولكنْ ما البأسُ الشديدُ؟ وما هي المنافعُ التي أشارَ إليها القرآنُ بقوله: {فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ} ؟ لقد وَجَدَ علماءُ الكيمياءِ أنّ معدنَ الحديدِ هو أكثرُ المعادنِ ثباتاً، وقوةً، ومرونةً، وتحمُّلاً للضغطِ، وهو أيضاً أكثرُ المعادنِ كثافةً، وهذا يفيدُ الأرضَ في حفظِ توازُنِها، كما يُعَدُّ معدنُ الحديدِ الذي يكوِّن ثلثَ مكوِّناتِ الأرض أكثرَ العناصرِ مغناطيسيةً، وذَلك لِحفظ جاذبيتها.
ولا بدّ أنْ نذكرَ أيضاً أنّ الحديدَ عنصرٌ أساسيٌّ في كثيرٍ مِنَ الكائناتِ الحيَّةِ، كمَا في بناءِ النباتاتِ التي تمتصُّ مُرَكّباتِه مِنَ التربة، وتدخلُ أملاحُه في تركيبِ خلايا الدمِ عندَ الكائناتِ الحيَّةِ.
وهنا محلُّ الإشارة إلى أنّ هناك توافقاً عددياً عجيباً بين رقمِ سورةِ الحديدِ، وهو سبعة وخمسون (57) في القرآن الكريم، والوزنِ الذرّي لمعدنِ الحديد.
وقد عُقِدَ مؤتمرٌ عامَ (1910) ، لِيَبحثَ في شؤونِ المعادنِ التي في خبايَا الأرضِ، وكان هناك قلقٌ يساورُ المؤتمرِين مِن أنَّ الحديدَ سوف ينتهي مخزونُه في الأرضِ في عام (1970) ! وأصدروا التقاريرَ حولَ وُجودِ هذا الفلزِّ العظيمِ، على أنّه متوافرٌ في الأرضِ بِكَميّاتٍ كبيرةٍ، بل إنّ أحْدثَ الإحصاءاتِ هو أنّ مادّةَ الحديدِ موجودةٌ في القشرةِ الأرضيّةِ بِمُعدّلِ خمسة بالمئة مِن وزنِ القشرةِ الأرضيةِ، بعضُهم قدّرَ فلزاتِ الحديدِ الموجودةَ على سطحِ الأرضِ بسبْعمئة وخمسين ألفَ مليونِ مليُونِ طنّ! هذا شيءٌ لا يعنينا، ولكنّ الذي يعنينا أنْ تكونَ حياتُنا نحنُ بني البشر، وحياةُ كلِّ كائنٍ حيٍّ، وحياةُ كلِّ نباتٍ متوقّفةً على الحديدِ! هذا شيءٌ ربما لا يُصدَّقُ.