وتعقب بأن توسيط المنصوب بين المجرورين وتوسيط الثاني منهما بين الماء وصفته مما لا يليق بجزالة النظم الجليل وهو كذلك {وَمِنْهُ شَجَرٌ} أي نبات مطلقاً سواء كان له ساق أم لا كما نقل عن الزجاج وهو حقيقة في الأول ، ومن استعماله في الثاني قول الراجز:
نعلفها اللحم إذا عز الشجر...
والخيل في إطعامها اللحم ضرر
فإنه قيل: الشجر فيه بمعنى الكلأ لأنه الذي يعلف ، وكذا فسره في النهاية بذلك في قوله صلى الله عليه وسلم:"لا تأكلوا ثمن الشجر فإنه سحت"ولعل ذلك لأنه جاء في الحديث النهي عن منع فضل الماء كمنع فضل الكلأ وتشارك الناس في الماء والكلأ والنار ، وأبقاه بعضهم على حقيقته ولم يجعله مجازاً شاملاً ، و {مِنْ} إما للتبعيض مجازاً لأن الشجر لما كان حاصلاً بسقيه جعل كأنه منه كقوله:
أسنمة الابال في ربابه...
يعني به المطر الذي ينبت به ما تأكله الإبل فتسمن أسنمتها ، وإما للابتداء أي وكائن منه شجر ، والأول أولى بالنسبة إلى ما قبله.
وقال أبو البقاء: هي سببية أي وبسببه إنبات شجر ، ودل على ذلك {يُنبِتُ لَكُمْ بِهِ الزرع} [النحل: 11] وجوز ابن الأنباري الوجهين الأولين على ما يقتضيه ظاهر قوله: الكلام على تقدير مضاف إما قبل الضمير أي من جهته أو من سقيه شجر وأما قبل شجر أي ومنه شراب شجر كقوله تعالى: {وَأُشْرِبُواْ فِى قُلُوبِهِمُ العجل} [البقرة: 93] أي حبه اه وهو بعيد وإن قيل: الإضمار أولى من المجاز لا العكس الذي ذهب إليه البعض وصحح المساواة لاحتياج كل منهما إلى قرينة.
{فِيهِ تُسِيمُونَ} أي ترعون يقال: أسام الماشية وسومها جعلها ترعى وسامت بنفسها فهي سائمة وسوام رعت حيث شاءت ، وأصل ذلك على ما قال الزجاج السومة وهي كالسمة العلامة لأن المواشي تؤثر علامات في الأرض والأماكن التي ترعاها.