بِالبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ". إن الماديين والوثنيين والعلمانيين لا يؤمنون بوحى ، وقد توارث أهل مكة عبادة الأصنام ، فما تطوف بأذهانهم إلا أشباح هذه الدنيا. فإذا سمعوا رجلا يحدثهم أنه يوحى إليه ، وأن العالم أوسع مما يتصورون أنكروه ، وثاروا عليه ، وقد أمرهم القرآن الكريم أن يتصلوا بأهل الكتاب ليشعروا بأن هناك وحيا ، وأن هناك مرسلين سابقين.. والحديث عن أهل الكتاب ذو شجون ، فإن موسى حق ، وعيسى حق! لكن أين ما نزل عليهم وأمروا بتبليغه؟. لقد ألف القوم أحاديث من عند أنفسهم ونسبوها إلى الله! هل يصدق ذو عقل أن الله غار من آدم بعدما أكل من شجرة المعرفة ، وخاف أن يأكل من شجرة الخلد ، وينازعه السلطان؟؟! من أجل ذلك طرده من الجنة ، وأهبطه إلى الأرض؟ ليشقى فيها هو وأبناؤه!!. هل يتصور ذو عقل أن الله قتل عيسى ابنه الوحيد ، أو تركه يقتل ليكفر عن خطيئة آدم ، ويمكن العفو عنه؟. إن أهل الكتاب يتدارسون أقاويل من عند أنفسهم ، ثم يزعمون أنها وحي نزل من السماء ، وأن من لم يصدقها لا يقبل فِي ملكوت السماء!. إن سؤال أهل الذكر الذي ورد فِي هذه الآية كان ليعرف العرب الأوائل أن الوحي ممكن ، وأنه لا غرابة فِي أن يحدث رجل عن السماء ، أما ما عند القوم فيحتاج إلى تصحيح طويل!!. والكتاب الذي نزل على محمد تضمن هذا التصحيح المطلوب ، ولذلك يقول الله فِي شأنه"تالله لقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فزين لهم الشيطان أعمالهم فهو وليهم اليوم ولهم عذاب أليم * وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه وهدى ورحمة لقوم يؤمنون". إنه تبيان للحق القديم الذي نزل فِي الوحي الأول ، وإنقاذ لعقول البشر!!. ومحمد - فِي الحقيقة - هو الذي عقد الصلح بين الدين والعقل ، بين الإيمان بالغيب والإيمان بالشهادة ، بين مانزل من عند الله وما وصل إليه أولو"