وقال تعالى: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ) ، ووكَل بيانَ ما أُشكلَ من التنزيلِ إلى الرسولِ - صلى الله عليه وسلم - ، كما قالَ تعالى: (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ) ، وما قُبِضَ - صلى الله عليه وسلم - حتى أكملَ له ولأُمَّتِهِ الدينَ ، ولهذا أنزلَ عليه بعرفةَ قبْلَ موتِهِ بمدةِ يسيرةِ: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا) .
وقالَ - صلى الله عليه وسلم -:
"تركتُكُم على بيضاءَ نقيةِ ، ليلُها كنهارِها ، لا يزيغُ عنها إلا هالِكٌ".
وقال أبو ذَرٍّ: تُوفيَ رسولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وما طائرٌ يحرك جناحَيهِ في السَّماءِ إلا وقد ذكَّرنا منه عِلْمًا.
ولما شكَّ الناسُ في موتِهِ - صلى الله عليه وسلم - ، قال عمُّه العباسُ - رضي الله عنه -: واللَّهِ ما ماتَ رسولُ اللَّه - صلى الله عليه وسلم - حتى ترك السبيلَ نهجًا واضحًا ، وأحلَّ الحلالَ وحرَّم الحرامَ.
ونكحَ وطلًّقَ ، وحاربَ وسَالَمَ ، وما كانَ راعِي غنم يتبعُ بها رءوس الجبالِ
يخْبِطُ عليها العِضاهَ بمخْبطِهِ ، ويَمْدُرُ حوضَها بيده بأنصبَ ولا أدأبَ من
رسولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - كان فيكُم.
وفي الجملةِ فما تركَ اللَّهُ ورسولُهُ حلالاً إلا مُبيَّنًا ولا حرامًا إلا مُبيَّنًا ، لكن
بعضَه كان أظهرُ بيانًا من بعضٍ ، فما ظهرَ بيانُه واشتهرَ ، وعُلِمَ من الذَينِ
بالضرورةِ من ذلكَ لم يبقَ فيه شكٌّ ، ولا يُعذرُ أحدٌ بجهلهِ في بلدٍ يظهرُ فيها
الإسلامُ ، وما كان بيانُه دونَ ذلك ، فمنه ما اشتهرَ بين حملةِ الشريعةِ خاصةً.
فأجمعَ العلماءُ على حِلِّه أو حرمتِهِ ، وقد يخفَى على بعضِ من ليس منهُم.