ومعنى"غمص الناس": استحقرهم - والله أعلم - وتقزز من مجالستهم لفقرهم وغناه كما استحقر صناديد المشركين من عاتب الله رسوله - صلى الله عليه وسلم - عليهم فيهم ، وأنفوا من مجالستهم
حين تركهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وأقبل على الصناديد
طمعا في إسلامهم فقال تبارك وتعالى: (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا(28) .
فهذا كله راجع - والله أعلم - إلى ما كان عليه الكفار.
فأما من دخل في الإسلام ، وأخذ بشرائعه ، وصلى وصام وصار من
أهل القبلة ، فعليه أن يأخذ بأخلاق أهل الإسلام ، ويخفض جناحه للمؤمنين ، ويكون رحيما بالضعفاء ، محبا للمساكين يقربهم ويدنيهم ، ولا يبطر نعمة الله ، ويمشي على الأرض هَونًا بخشوع واستكانة.
فإن تمسك بالإسلام ، وخالف أخلاق أهله فترفع على الناس لأمره
ونهيه ، ونخوة سلطانه وما أشبه هذا ، ومشى المطيطاء ، فكل ذلك منه
ذنوب عظام كبار. ألا ترى أن الله تبارك وتعالى حيث بدأ العشر من سورة
بني إسرائيل قال: ولا تقتلوا أولادكم ، ولاتقربوا الزنا ، (وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا(37) كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا (38) .
فجعله في عداد الذنوب والمعاصي لا في عداد الكفر ، وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:"براءة من الكبر لباس الصوف ، واعتقال الشاة ، ومجالسة الفقراء المؤمنين ، وأكل أحدكم مع عياله".
رد على المعتزلة.
قوله: (يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ(50)